دعني من الخطباء الثقلاء كأن كلامهم لهيب الرمضاء أو وهج الصحراء، أو وجه الشتاء لا طلاوة ولا حلاوة، لا إبداع ولا إمتاع ولا إشباع، قوم لم تركض ألسنتهم في ميدان البيان ولم تذق قلوبهم حلاوة القرآن، ولا تمتعوا بسحر الكلمات ولا رشاقة الجمل البالغات، ولا عرفوا حسن السبك ولا براعة الحبك، مع أحدهم صحف يتلوها على الناس بكرة وأصيلا، لا تترك في الناس من التأثير فتيلا، يلوك أحدهم الكلام كأنه يغرز في الأجسام شوكًا، أفصح الناس رسول الهدى وإمام الندى، أبلغ من حضر وبدا، وأوعظ من راح وغدا:
منطق يملأ القلوب جلالًا
في حبور وبهجة وصفاء
إن من أعظم المتع التي عاشها الصحابة تلك الفصاحة والبراعة والنجابة التي كانوا يسمعونها من سيد الفصحاء، وإمام البرعاء، وأبين العرب العرباء، كان إذا تكلم ملك المشاعر واستولى على الضمائر واستمال السرائر، فلا يريدون بعده خطيبًا ولا شاعرًا إذا خطب عليه الصلاة والسلام، وتدفق فكأنه الفجر أشرق والماء ترقرق والنور في الأرواح ترفق، إن من النعيم عند ذاك الجيل العظيم سماع ذلك النبي الكريم في منطق سليم وصوت رخيم، وقول قويم ونهج مستقيم.
ثم درج خطباء الأمة على منواله، وسبكوا أقوالهم على أقواله،
فمن مقل ومكثر، ومن مؤثر ومتأثر.