لا يشرح الصدر مثل الكلام الصادق والبيان الناطق واللفظ الدافق والأسلوب السامق، أما كلام الحاكة، وألفاظ أهل الركاكة فهو حمى الأرواح في الصدور رماح وفي القلوب جراح، ترى بعضهم إذا تكلم لا يكاد يبين، كأنه من الأعجمين ينطق بالحرف مقلوبًا، ويجعل المرفوع منصوبًا، ملأ خطبته عيوبًا وندوبًا وثقوبًا، غضب منه في النحو سيبويه، وفي اللفظ نفطويه، وفي الحديث راهويه، وفي الشعر متنبيويه, الخطيب البارع يأسر القلوب أسرًا، ويسري بالأرواح فسبحان من أسرى، ويسترق الضمائر؛ فإما منًّا، وإما فداء، وله على مستعمرات النفوس احتلال واستيلاء، الخطيب الملهم يكتب على صفحات القلوب رسائل من التأثير، وفي العقول صورًا من براعة التعبير، ويبني في الأفئدة خيامًا من جلال التصوير، هل تمل من الروضة الغناء إذا غنى فيها العندليب، وحل بها الحبيب وأطفأ نسيمها اللهيب، وكذلك الخطيب النجيب في خطبه روضات من الجمال، وبساتين من الجلال، ودواوين من الكمال.
تقرأ القصة لا تساوي شطرة، ولا تهز شعرة، فيلقيها الخطيب الأشدق، والفصيح المتدفق، فكأنه السحر دب في كيانك، وكأنها الخمر هزت أركانك، تسمع بيت الشعر فلا ترى فيه روعة ولا جمالًا، فيلقيه الخطيب المصقع، والمتكلم المبدع، فتبقى من حسنه مبهوتًا، كأنك لقطت ياقوتًا؛ الخطيب الهدار كالسيل الموار يقتلع الأشجار، ويحمل الأحجار ويقتحم الأسوار، لا يرده جدار ولا يقف في طريقه دار، لأن الخطيب يقبل معه الآية الآمرة والموعظة الزاجرة، والقصة النادرة والحجة الباهرة، والقافية الساخرة، تعيش معه في دنيا من الصور والألوان، وفي عالم من المشاهد والألحان؛ كأنك في إيوان أو بستان أو ديوان.