3-الحلم وسعة الصدر: فكمال العلم في الحلم، ولين الكلام مفتاح القلوب فيستطيع الخطيب أن يعالج أمراض النفوس ويداوي عللها بهدوء نفسه واطمئنان قلبه وسعة صدره، أما إذا استفزه الغضب واستثاره الحمق، نفرت منه القلوب وأعرضت النفوس، والله عز وجل يقول لخيرة خلقه وخاتم رسله عليه الصلاة والسلام (ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فالناس في حاجة إلى كنف رحيم وإلى رعاية فائقة، وإلى بشاشة سمحة، وإلى ود يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم.
4-التواضع: والداعية إلى الله والخطيب الذي يوجههم أحوج من غيره إلى هذا الخلق، فالناس لا يقبلون قول من يستطيل عليهم ويحتقرهم ويستصغرهم ويتكبر عليهم، وإن كان ما يقوله حقًا وصدقًا، كذلك فإن من طبائع الناس أنهم لا يحبون من يكثر الحديث عن نفسه وكثرة الثناء عليها ويكثر من قول أنا.. أنا، كما أن الناس لا يقبلون على أصحاب الأبراج العاجية الذين ينظرون إليهم وإلى اهتماماتهم من علُ، يأنفون أن يخالطوهم عن كثب ويعيشون في معزل عنهم فلا تزاور ولا التقاء؛ بعيدًا عن جدران المسجد يلمس الناس في صدق الداعية والخطيب وشفقته وتواضعه.
والتواضع في الأصل يقال للكبار الذين هم في حقيقة الأمر كبار، أما نحن فيقال لكل واحد اعرف قدر نفسك، والإنسان إنما يستطيل ويتكبر ويعجب بنفسه إذا جهل بحقيقة نفسه ولم يعرف قدر ربه وقد يتطرق الكبر والعجب للدعاة والخطباء؛ لما يرون عليه أنفسهم من التفات الناس إليهم واستماعهم لهم والتفافهم حولهم، وهؤلاء على خطر عظيم في الدنيا قبل الآخرة وقد قال بعض السلف: من تكبر بعلمه وترفع وضعه الله به ومن تواضع بعلمه رفعه الله به.
وفي الحديث (من تواضع لله رفعه) ومفهومه أنه من تكبر وضعه وقال عليه الصلاة والسلام (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) ويلزم معرفة الفرق بين التواضع المحمود والمذلة المهينة وما أجمل قول ابن المبارك في ذلك حيث يقول: