2-القدوة الباطنة: ونعني بها موافقة العمل للقول وتصديقه له وذلك أن الداعي من المدعو يجري مجرى الطابع من المطبوع، فكما أنه محال أن ينطبع الطين على الطابع بما ليس منتقشًا به، فكذلك محال أن يحصل في نفس المدعو ما ليس بموجود من الداعي فمن كان ذا قول مجرد من العمل لم يكن نصيب المدعو منه إلا القول فكيف يستقيم الظل والعود أعوج وفاقد النور كيف يستنير به غيره. قال مالك بن دينار: إن العالم إذا لم يعلم بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا، ولأن نطق الأفعال أقوى وأبلغ في الإقناع من نطق اللسان، وفي هذا قال الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها
فهناك يسمع ما تقول ويشتفى
ججججججج
عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
بالقول منك وينفع التعليمُ
وقد ذم الله عز وجل هذا المسلك أشد الذم فقال: (كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) والمقت أشد الكره وأعظمه.
فينبغي للخطيب أن يكون ذا سيرة سديدة وطريقة حميدة غير متهافت على الدنيا ومراتبها صابرًا على آفاتها ونوائبها مراقبًا لله سبحانه وتعالى في سره وجهره راضيًا عنه في عسره ويسره مغتنمًا نشاطه مهتمًا بتقصيره وجبره محافظًا على العمل بما أمر به في نفسه وخاصته محبًا لأهل الله تعالى مبغضًا لأهل مخالفته حذرًا من زخارف الدنيا وزينتها غير ملته بعبيدها وشهواتها، كارهًا لرفعتها وشهرتها قائمًا بفرائض الله وحدوده، قاعدًا عن محاذره ومحدوده مقبلًا على الله معرضًا عما سواه، لا تأخذه في الله لومة لائم ولا قعدة قاعد ولا قومة قائم.