ومن مظاهر أحكام هذه الشعيرة لزوم حضورها جماعة، والنهي عن البيع، عند النداء لها يتأهب لها المسلم بالتطهر والتبكير مع اخذ الزينة والطيب، وحسن الصمت ووجوب الإنصات، ونبذ اللغو مما يهيئ للاستفادة؛ والرغبة في الاستماع، والالتزام بما يسمع من الحق على حد قوله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) خطبة الجمعة من وسائل الإصلاح الفردية والاجتماعية، فهي تحتل موقعًا مهمًا متميزًا في تبليغ الدين، ونشر الدعوة وبث الإصلاح.
كان ذلك من بدء الرسالة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ولا تزال هي أكثر الوسائل فعالية في نشر الحق، وبث الفكر الصحيح، ومخاطبة مختلف الفئات والطبقات والمستويات، نظرًا لأن الخطيب المؤهل الموفق هو الأسرع إلى فهم العامة، والأبلغ في التأثير على المجموعة، فللخطبة فعلها المباشر وسرعتها في توجيه الرأي العام.
خطيب الجمعة هو الواعظ، له دور كبير وأثر بالغ في بيئته ومجتمعه وسامعيه وقومه، فهو قرين المربي والمعلم، ورجل الحسبة والموجه، وبقدر إحسانه وإخلاصه يتبوأ في قلوب الناس مكانًا، ويضع الله له قبولًا قلّ أن يزاحمه فيه أصحاب وجاهات، ولا يدانيه فيه ذوو مقامات، ومرد ذلك إلى الإخلاص أولًا، وتوفيق الله سبحانه وتعالى أيضًا، ثم إلى حسن الإجادة، ووجود الإفادة، والقدرة على التأثير المكسو بلباس التقوى، والمدثر بدثار الإخلاص والورع.
ولا شك أن مهمة الخطيب في هذا مهمة شاقة مشقة، تحتم عليه أن يستعد الاستعداد الكافي في صواب فكر، وحسن التعبير، وطلاقة اللسان، وجودة الإلقاء مطلوب منه أن يحدث الناس بما يمس حياتهم، ولا ينقطع عن ماضيهم ويردهم إلى قواعد الدين ومبادئه، ويبصرهم بحكمه وأحكامه برفق، ويعرفهم آثار التقوى والصلاح في الآخرة والأولى، مهمته البعد عن المعاني المكررة وجلبات الملل.