صِيدُ إِنْسٍ أَنْتُمْ وَأَقْيَالُ جِنِّ ..."جَنَّةُ الخُلْدِ"دُونَ قِرْدٍ تُمَلُّ
وجد أن القافية في الشطر الأول من البيت الأول (مِنِّي) تخلق حالة من التوقع والترقب لعودتها في نهاية الشطر الثاني، ولما خالفت قافية الشطر الثاني (أغِلُّ) صورة ذلك الترقُّب الممزوج بالشوق، صار المتلقي أسير حالة من الدهشة أو القلق لأن توقعه لم يقع في محله، ثم تأتي قافية الشطر الأول من البيت الثاني منسجمة مع قافية الشطر الأول من البيت الأول، فيستمتع المتلقي بهذا الانسجام المتحقق بعد برهة من الزمن قضاها مع الشعور بغياب الانسجام (عدم الانسجام هنا مرده إلى خرق التوقع) ، وفي هذه الأثناء تبقى قافية الشطر الثاني من البيت الأول معلقة حتى ينتهي القارئ أو المنشد إلى قافية الشطر الثاني من البيت الثاني.
إن هذه الحالة من الشعور بالشوق المصاحب لعملية التوقع الذهنية تتحقق في ذلك النوع من القوافي التي تتنوع تنوعًا منتظمًا، أمّا في القوافي المتنوعة تنوعًا غير منتظم فالأمر مختلف بعض الاختلاف، وقراءة هذه الأبيات توضح ذلك [1] :
أَمْسِ رَاحَتْ عَلَى الشِّفَاهِ تَدُورُ
قُبُلاتٌ مِنْ قَبْلُ كَانَتْ أَسارَى
فِي شِعَافِ الفُؤَادِ، حَيْرَى، تَمُورُ
وَزَوانٍ! كَأَنَّهُنَّ العَذَارَى
فالمتلقي أو القارئ سيشعر أنه بإزاء تنوع منتظم للقافية يقوم على التناوب بين القافية المضمومة الروي والمفتوحة الروي، وسيعمل جهاز الإدراك عنده على توقع حالة مماثلة فيما بعد، غير أن الشاعر يخرق حالة التوقع هذه بقوله:
أَمْسِ، رُدَّتْ إِمَاؤُهَا أَحْرَارَا
وَأَمَاطَتْ عَنِ الضَّمِيرِ! السِّتَارَا
فَبَدَا ذَلِكَ"الحِمَارُ"الصَّغِيرُ
مُثْقَلًا، فَوْقَهُ الخَنَا، وَالفُجُورُ!
يَأْكُلُ الشَّهْوَةَ الفَظِيعَةَ .. نَارَا
وَيَعُدُّ الصَّبْرَ القَبِيحَ فَخَارَا
(1) م. ن: 3/ 371ـ372.