هنا يصبح المتلقي في حالة من الدهشة نتيجة لعدم تحقق توقعه في تناوب القافية، إذ بدأ الشاعر هذه المرة بالتقفية المزدوجة، فأورد كل بيتين على قافية واحدة، وما إن ينسجم المتلقي مع ذلك، وينعطف بتوقعه إلى هذا النظام الجديد، حتى تتولد عنده المفاجأة من جديد، في الأبيات اللاحقة التي تشتمل على قافية متعانقة هذه المرة:
ثُمَّ يَطْغَى سَعِيرُهَا وَيَثُورُ
فَوْقَ وَجْهٍ يَضْوَى، وَعَيْنٍ تَغُورُ
ثُمَّ يُلْوِي بِثِقْلِهِ .. وَيَخُورُ
أَمْسِ"نَبْعٌ"بَيْنَ الشِّفَاهِ طَهُورُ
وقد يُنوِّع الشاعر القافيةَ والوزنَ معًا في بعض قصائده كما فعل في (من كنوز فارس) و (مقطعات من لندن) و (أنيتا) و (رباعيات) و (فرصوفيا) و (زوربا) [1] وغير ذلك.
لقد استثمر الجواهري الطاقات الإيقاعية للقافية استثمارًا موفّقًا عندما خرج في جزء غير يسير من شعره على النظام الموحد للقافية، مستفيدًا قدر الإمكان من العامل المضاد لعامل"النقاء"في الفن، أي عامل"التنويع"فيه، وكان بذلك أقرب إلى الثراء الفني، فقد نظم خمسًا وعشرين قصيدة وقطعة واحدة متنوعة القوافي [2] ، كان مجموع أبياتها كلها (3055) بيتًا؛ أي إن نسبة استخدامه لعملية التنويع إلى متنه الشعري كله كانت (14.8%) وهي نسبة
مرتفعة كما هو واضح [3] .
والظاهر أن تنويع القوافي كان مُتَنَفَّسًا قويًا للطاقة الشعرية لدى الجواهري، وتعبيرًا عما تموج به دواخله من معان متنوعة ومضامين جديدة، يُضاف إلى ذلك أنه دلَّ على شخصية الشاعر وإمكانياته الخاصة في التعبير وحريته في الانتقال بين المعاني المختلفة المتزاحمة في الفكر والوجدان.
وللقوافي عيوبٌ نصَّ عليها أصحابُ العروض ونُقّاد الشعر، وقد دَقَّقَ هذا البحث النظرَ في قوافي الجواهري، فلم يَقَعْ إلاَّ على ثلاثة منها في ثلاثة أبيات فحسب من شعره كلِّه، وهذه العيوب
(1) ينظر تباعًا: الديوان: 1/ 371 و3/ 228 و355 و5/ 25 و215 و373.
(2) * يقصد بتنوع القافية هنا تنوع حرف الروي وحرف المجرى وحروف الردف.
(3) ويتأكد بذلك أن إبراهيم السامرائي وَهِمَ عندما قال:"كما أنه (الجواهري) التزم القوافي الواحدة في سائر قصائده، ولم يلجأ إلى تعدد القوافي مع مراعاة الوزن إلا في قصيدتين اثنتين، وهما (أفروديت) و (أنيتا) " (لغة الشعر بين جيلين: 119) وفي هذا الكلام وَهْمٌ آخرُ وهو أن قصيدة (أنيتا) لم يلتزم فيها بوحدة الوزن كما هو مفهوم منه، بل استعمل فيها ثلاثة أوزان هي الكامل والخفيف والمتقارب.