بسم الله الرحمن الرحيم
{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي}
أما بعد:
فإن صلة الباحث بالجواهري وشعره تعود إلى زمنٍ سابقٍ على زمن مشروع هذه الدراسة، إذ وقعت عيناه على أجزاء من ديوان الشاعر فيما تركه والده من كتب بعد رحيله إلى مُستقرّه الأخير، فأخذ يُقلِّب من صفحاته، ويقرأ من القصائد المُودَعة بين دفّتيه، تستقيم له القراءة آنًا وتتعثر به آنات، يفهم من أبياته شيئًا وتعزب عن فهمه أشياء، فما مضى وقتٌ إلاّ ازداد تعلُّقًا بهذا الشعر، وطابت له العِشرة معه، لا سيّما في أثناء الدراسة الأولية التي قرّبته إلى أستاذه المشرف على هذه الرسالة والذي كان شديد الإعجاب بشعر الجواهري، كثير الإدمان على قراءته، فقد كان ذلك عاملًا معوانًا على توطيد الألفة بين الباحث وشعر الجواهري، ومن هنا بدأت مغاليق شعره تنفتح أمامه، وطلاسم فنه تنفكُّ له شيئًا في إثر شيء.
بيد أن الذي دفعه إلى اختيار البنية الإيقاعية في شعر الجواهري لم يكن الإعجاب القديم بشعره فحسب، بل كان ذلك عاملًا ذاتيًا في الاختيار، أمّا العامل الموضوعي فكان خصوبةَ شعر الرجل بتنوع مضامينه وأشكاله ووفرته الكمية، مِمّا جعله مادّة صالحة للدرس، فهو حريٌّ بأن يعاود فيه النظرُ تِلْوَ النظر، وأن يشتغل بفحصه ومدارسته المشتغلون.
والإيقاع من أكثر موضوعات الأدب إثارة للجدل والنقاش، وأقربها التصاقًا بالدرس الحديث، وآية ذلك هذه الجهود الجمّة المبذولة في ميدانه، فلا يكاد ينصرف عن الكلام فيه كتاب أو بحث يزعم لنفسه الجِدّة، سواء أكان ذلك الكلام مُفصّلًا مستقصيًا أم كان سريعًا خاطفًا.
وقد ذكر القدماء من أهل العلم في بيان أهمية الإيقاع وأهمية الحاسة الكفيلة بإدراكه، أن السمعَ هو المنفذ الوحيد إلى القلب، وأن الذي لا تُحرِّكه الإيقاعات والنغمات الموزونة إنسانٌ غير سليم، مُمعِنٌ في غِلَظ الطبع وجفاء النفس [1] ، أمّا الدراسات الحديثة فتثبت أن أهم حاسة لدى الإنسان في عمليتي الإدراك والتواصل هي حاسة السمع [2] ، حتّى إن أول شيء يشعر به الجنين داخل الرحم فيما يتعلق بالعالم الخارجي هو نبضات قلب الأم وإيقاع تنفُّسِها، وإن كثيرًا من النشاطات اليومية العادية كالمشي والممارسة الجنسية إنّما هي أنشطة إيقاعية [3] .
(1) إحياء علوم الدين: 2/ 245 و252.
(2) من سمات الأداء في ثقافة العرب الأولين (الإيقاع) : 67.
(3) تهافت الستينيين ـ أهواء المثقف ومخاطر الفعل السياسي: 88.