الصفحة 9 من 213

فإذا كان الإيقاع متجذِّرًا في النفس الإنسانية على نحو لا يخلو منه نشاط عادي، فكيف بالشعر الذي هو أحد الفنون الجميلة، وأشدّها حاجة إلى الإفادة من كافّة إمكانات الفن الجميل. لا شكَّ في أن دراسة الإيقاع في الشعر ستكون ذات أهمية؛ لأنها تضع على بساط البحث ما لا يُشكُّ في جدواه من عناصر البناء الشعري.

وشعر الجواهري لم ينل قسطه الوافي من الدراسة الإيقاعية، إذ لا يقع الباحث إلاّ على حديث غير مُفصَّل عن إيقاع الشعر عند الجواهري في سياق عمل د. علي عباس علوان الموسوم بـ (تطور الشعر العربي الحديث في العراق) ، وحديث آخر مختصر عند د. سليمان جبران في كتابه (مجمع الأضداد ـ دراسة في سيرة الجواهري وشعره) ، وهما حديثان يمثلان وقفتين تكميليتين لعمليهما، فلا عجب أن جاءا مُختصرينِ اختصارًا لا يُوفِّي الموضوعَ حقَّه، فضلًا عمَّا وقعا فيه من أوهام مردُّها إلى أن العملين غير متخصصين في الموضوع.

وقد حاولت هذه الدراسة أن تُجيل النظرَ بتأنٍّ وشمول في جوانب البنية الإيقاعية لشعر الجواهري، واستقام لها ذلك من خلال تمهيد وفصلين وملحق.

أمّا التمهيد فوقف عند مفهوم الإيقاع مُحاولًا استخلاصَه من طروحات النقاد المعنيين به، ثم عطف على ذكر أهميته في البناء الشعري، رابطًا ذلك بموقف الجواهري النظري منه الذي ألمع إليه في نصوصه.

وتوفّر الفصل الأول على دراسة الإيقاع الشعري الثابت، فبدأ بتمحيص المصطلحات المستخدمة في وصف أنماط الإيقاع ليختار منها أنسبها، ثم ثنّى بوصف البحور، وثلّث ببنية البيت الشعري ليقرأ في ضوئها إيقاعي التضمين والتدوير، مُنتقلًا بعد ذلك إلى إيقاع الزحافات والعلل، والضرورة الشعرية، ليأتي بعدها دور الوقفة عند إبدال الشاعر للبنية التقليدية في محور الخروج على العروض التقليدي، وكان المحور الأخير من حظِّ إيقاع القافية الذي لا يكتمل البحث في الإيقاع الثابت إلاّ بالنظر فيه.

وأُفرد الفصل الثاني لدراسة الإيقاع المتحرك، وذلك من خلال مبحثين، كان الأول منهما مخصصًا لمتابعة إيقاع التكرار عبر ثلاثة تأسيسات هي تكرار الحروف وتكرار الكلمات وتكرار العبارات، في حين اختار المبحث الثاني إيقاع الموازنات الصوتية عنوانًا له، مُبتغيًا بذلك اختزال كثير من المصطلحات البلاغية ذوات القيم الإيقاعية التي أفرزتها النزعة التبويبية في البلاغة العربية.

وكان من وكد الملحق ترتيب جداول إحصائية مفصّلة تستوعب شعر الجواهري الذي احتوته طبعتا الديوان، وذلك للحصول على نتائج علمية دقيقة مبنية على الرصد العملي بعيدًا عن التعميمات والآراء السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت