لقد استقى هذا البحث مادته من مصادر متنوعة، بعضها حديث يمثل آخر الإنجازات المقدمة في هذا الميدان، وبعضها الآخر قديمٌ مُعرقٌ في القدم، وقد كانت هذه المزاوجة بين المصادر القديمة والحديثة وليدة قناعة بأن الحداثة لا تتمثل بالضرورة في قطع الأواصر مع التراث، بل هي امتدادٌ واعٍ لزوايا النظر الصائبة والرصينة المُودَعة فيه. بيد أن البحث قد أفرغ جُلَّ طاقته في إدامة النظر في شعر الجواهري؛ لإيمانه بأن الدراسة المُفضية إلى نتائج حقيقية يجب أن تقوم على النصوص الشعرية نفسها، فجعل الطبعة العراقية للديوان أصلًا للعمل، وكان يرجع إلى الطبعة اللبنانية فيما أخلّت فيه الطبعة الأولى من نصوص، رامزًا لها بـ ط. ل.
وعندما شرع الباحث بجمع مادّة البحث واجهته صعوبات وعقبات متعددة، أهمها صعوبة الحصول على المصادر المساعدة المختصة في دراسة الإيقاع في بلد أثقلت كاهلَه الحربُ، وعبثت بجمال ملامحه، وجعلتْهُ أعوز ما يكون إلى الأمن والاستقرار، وذلك ما حدا بالباحث إلى أن يُولِّيَ وجهه شطرَ سوريا، ويقصد عاصمتها دمشق، ليوفِّر لبحثه ما يُقيم صلبَه من مصادر، ومن الصعوبات الأخرى التي واجهته ضخامةُ النتاج الشعري للشاعر الذي أربى على عشرين ألف بيت، ثم هذا الاختلاف الشديد بين الدارسين في فهم الإيقاع وتحديد مادته إلى درجة دفعت بعضَهم إلى وصفه بالمعضلة، وبآخرينَ إلى نعته بالفوضى. غير أن ذلك كُلَّه لم يكن حائلًا دون إنجاز البحث، فقد حاول الباحث تجاوز هذه العقبات وتخطِّيها، تدفعه إلى ذلك وتُعينه عليه رغبةٌ صادقةٌ في تعليم النفس، وتنشئتها على أساس متين من العلم الصحيح، فاستحال لديه الجهد الشاقُّ إلى غرام يلتذ به، والسهر المضني إلى سمر يحلو له.
وقد كان من فضل الله على الباحث، وحُسنِ تأييده له، أن تفضَّل بالإشراف على هذه الرسالة مُشرفٌ وافقت أوصافُه اسمَه، وهو الأستاذ الدكتور جليل حسن محمد، صاحب السهم الرابح في هذا المضمار، الذي أسدى للباحث يدًا بيضاءَ كريمةً، إذ كان يهديه إلى الصواب كُلَّما حادَ عنه، ويقيه الزللَ عند الخشية منه، ويحرص على أن تكون الرسالة بريئة من العيوب سالمة من المآخذ، كما كان يحرص من قبل على تعليمه وإرشاده وتشجيعه على مواصلة الشوط، وكل ذلك يحرِّض الباحث على أن يرفع له شكر التلميذ البارِّ والطالب المخلص، وإن كان الشكر بحقِّه قليلًا يقصر عن مُراد الشاكر، ولا يفي بنوازع نفسه.
فإن وُجِدَ في هذا العمل شيء من صواب فهو بفضل الله تعالى، وإن كانت فيه زلة هنا أو عثرة هناك فمن عند نفسي، وأرجو أن يشفع لي في ذلك أنني في أول الطريق، وأن هذا العمل هو باكورتي العلمية، أسأل الله تعالى أن يكتب لها القبول.
اللهم يا مُعلِّم آدم علِّمني، اللهم يا مُفهِّم إبراهيم وسليمان فهِّمني، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.