وربما نوّع الشاعر القافية تنويعا حرًا لا يستند إلى نظام معين، كقوله في القطعة الثالثة من قصيدة (أنيتا) [1] :
رَفَّ جُنْحُ الدُّجَى"أَنيتُ"عَلَيَّا
رَفَّةً خِلْتُ وَقْعَهَا فِي عِظَامِي
كَانَ أَحْنَى وَكَانَ أَشْهَى إِلَيَّا
لَوْ طَوَانِي عَنْهُ جَنَاحُ الحِمَام
لَوْ تَعَوَّضْتُ ثَمَّ عَنْ مُقْلَتَيَّا
مُقْلَتَيْ هَانِئٍ تَعَرَّى فَنَامَا
وَتَناسَى اللَّذَّاتِ وَالآلامَا
خِلْتُ أَنِّي مِنْهُ أُنَازِلُ ذِئْبَا
رَجَفَتْ بِالعُواءِ مِنْهُ القِفَارُ
خِلْتُ أَنَّ النُّجُومَ تَنْقَضُّ رُعْبَا
وَسَمَاءً تُقِلُّهَا تَنْهَارُ
وَالأَحَاسِيسَ شَبَّ مِنْهَا أُوَارُ
لَفَّ عِيْنَيَّ وَهْجُهُ فَاسْتَطَارَا
ضَرَمًَا يُمْطِرُ الفُؤَادَ شَرَارَا
واضح أن هذه الأبيات لا تلتزم بنظام معين للقافية، والقصيدة التي سُقنا منها هذه الأبيات تجري كُلُّها على هذا النمط من حرية التقفية.
وإذا كانت القافية في الشعر العربي بمثابة مفتاح اللحن في الموسيقى [2] ، وإذا كان تأثير اللحن راجعًا إلى الشعور بالشوق لعودة المفتاح، فإن استخدام أكثر من مفتاح اللحن (وهي هنا القافية) يضاعف هذا الشعور بالشوق [3] ، ولو تأمل القارئ قول الجواهري مثلًا [4] :
يَا نَدِيمِي لَكَ النَّصِيحَةُ مِنِّي ... لَيْسَ لِي فِي نَصِيحَتِي مَا أَغِلُّ
خُذْ بِعُرْسِ القُرُودِ دُفًَّا وَغَنِّي ... وَقُلِ الأَهْلُ أَنْتُمُ وَالمَحَلُّ
(1) الديوان: 3/ 377.
(2) أسرار الإيقاع في الشعر العربي: 240.
(3) موسيقى الشعر العربي ـ مشروع دراسة علمية: 128، والانزياح الصوتي الشعري: 49ـ50.
(4) الديوان: 5/ 146.