الصفحة 97 من 213

هنا كان الروي المضموم مناسبًا للجواهري وملائمًا لـ"شخصيته الشعرية التي تقوم على الغضب اللاهب الحارق، وعلى التدفق العاطفي" [1] تدفقًا رافقه في حياته كلها، وصنع مجده الشعري.

ويمكن للدارس أن يعزو هيمنة الروي المضموم على قوافي الشاعر إلى تمكُّنه من اللغة، فالضمة من الوجهة النحوية علامة إعرابية تلحق الكلمات التي تكون أساسًا ودعامة في بناء الجملة [2] ، ولا يتم معنى الجملة (البيت) دونها، وبناء الشاعر قصائده على الروي المضموم يدلّ على استقرار لفظة القافية وتمكنها من موضعها بصورة تنفي عنها صفتي القلق والاجتلاب.

وكما كانت للجواهري تجارب شعرية متعددة عدل فيها عن النظام الخليلي من حيث وحدة الوزن، كانت له تجارب أخرى خرج فيها على النظام التقليدي في التقفية، فهو أحيانا ينوع القافية مع الالتزام بوحدة الوزن، وتارة ينوعها مع تنويع الوزن في القصيدة الواحدة، ومثال الحالة الأولى قوله [3] :

سَلامًَا: وَفِي يَقْظَتِي وَالمَنَامِ ... وَفِي كُلِّ سَاعٍ وَفِي كُلِّ عَام

تَهَادَى طُيُوفُ الهُدَاةِ الضِّخَام

تَطَايَحُ هَامًَا عَلى إِثْرِ هَام

سَلامًَا: وَمَا انْفَكَّ وَقْدُ الضِّرَام

مِنَ الدَّمِ يَشْخَصُ حَيًَّا أَمَامِي

سَلامًَا: وَفِي كُلِّ مَا أَسْتَعِيدُ ... مِنَ الذِّكْرَيَاتِ وَمَا أَسْتَفِيدُ

مِنَ العِبَرِ المُوحِيَاتِ الدَّوَامِي

أُحِسُّ دَبِيبًَا لَهَا فِي عِظَامِي

هذه الأبيات كلها من بحر المتقارب، نوّع فيها الشاعرُ القافيةَ تنويعًا منتظمًا التزمه في جُلِّ القصيدة، ونظام التقفية هذا قريب من المُسمّط، إذ يبدأ كل مجموعة من الأبيات ببيتٍ ذي شطرين له قافية معينة، ثم يردف ذلك بأربعة أشطار على القافية نفسها، يليها بيتٌ ذو شطرين له قافية مغايرة، وينهي الأبيات بشطرين على القافية الأولى.

(1) الجواهري دراسة ووثائق: 69.

(2) قال ابن هشام:"شرعت من هنا في ذكر أنواع المعربات، وبدأت منها بالمرفوعات؛ لأنها أركان الإسناد، وثنيت بالمنصوبات؛ لأنها فضلات غالبًا، وختمت بالمجرورات؛ لأنها تابعة في العُمْديّة والفَضْلِيّة لغيرها" (شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب: 158) .

(3) الديوان: 5/ 207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت