وتكررت في السطرين الثاني والرابع أربع مرات، أما السطر الثالث فلم تتكرر فيه التفعيلة سوى مرتين، وواضحٌ أيضًا الحرية في اختيار القافية، إذ جاء بها الشاعر مترادفة في السطرين الأول والخامس، ومتواترة في بقية الأسطر، إضافة إلى تنويعه حرف الروي بين الميم والراء والتاء والباء. ولا يكتفي الشاعر بهذه المباحات في الشعر الحر، بل يتعدى ذلك إلى تنويع الوزن أيضًا، فينتقل من إيقاع بحر الرمل (فاعلاتن) إلى إيقاع بحر الكامل (متفاعلن) :
أُغْنِيَّةٌ وَحْشِيَّةٌ كَتَثَاؤُبِ"النَّمْرِ"الجَرِيحْ
تَندَاحُ عَنْ بُعْدٍ .. وَفِي بُطْءٍ .. وَإِيْقَاعٍ عَلَى الأَمَدِ الفَسِيحْ
وَيَعُودُ يَمْلَؤُ قَلْبَ سَامِعِهَا وَجِيفُ الإِنْتِظَارْ
وَتَصَلَّبَتْ أُذُنَايَ .. وَامْتَلأَ الفَرَاغْ
فِي صَدْرِيَ الخَاوِي .. وَعَادَ الصَّمْتُ يَسْتَعْوِي صُرَاخَا
وَيُذِيعُ سِرَّ الإِنْشِطَارْ
وهذا المقطع حُرٌّ كذلك في عدد التفعيلات لكل سطر ونوع القافية وحرف الروي.
وللجواهري قصائد أخرى منظومة على طريقة شعر التفعيلة، كقصيدة (الشيخ والغابة) [1] ، وقصيدة (يا حبيبي) ، وقصيدة (حببت الناس) [2] .
وهكذا يتبين ـ من هذه الشواهد الحية ـ أن نزار قباني عندما قال عن الجواهري:"لم يسمح لنفسه بدخول مدرسة شعر الحر (كذا) وقصيدة التفعيلة" [3] ، لم يكن متثبتًا تمام التثبُّت، ولم يكن كلامُه هذا مبنيًا على النظر الفاحص في ديوان الجواهري، بل ردّد ما أُشيع عنه بهذا الصدد [4] ، وكان محمود درويش أدقَّ منه، إذ قال:"ومن مزاياه أنه كان يقبل تجارب الشعر"
(1) علق بعض الباحثين على هذه القصيدة بقوله:"إن الإيقاع هنا يمكن اعتباره، في أحسن الأحوال، مرحلة وسطى بين الشكل التقليدي والشعر الحر" (مجمع الأضداد: 160) وهو كلام يُغني نقله عن نقضه.
(2) ينظر على الترتيب: الديوان: 4/ 355 و5/ 243 و7/ 257.
(3) مجلة المدى: 68.
(4) أشاع عنه ذلك بعض الدارسين العراقيين، كعلي عباس علوان، وقد تقدم كلامه، وإبراهيم السامرائي الذي قال:"وقد حرص الجواهري على القديم من الشكل، ولم يجد في نفسه حاجة إلى الخروج على تفاصيل الأوزان المعروفة" (لغة الشعر بين جيلين: 119) ، والغريب في الأمر أن علوان قد عقد في كتابه (تطور الشعر العربي الحديث في العراق) فصلًا طويلًا عن الجواهري، فكان من مهمته ـ وهو يقرأ الديوان قراءة الدارس ـ أن ينتبه إلى إبدال الشاعر للبنية التقليدية في كثير من الحالات كما تقدم، أما السامرائي فهو أحد محققي الديوان، فكيف فاته الأمر ولم تقع عينه على شيءٍ من ذلك؟!.