الآخرين مدينون له بالكثير، وهو قمة من قمم الشعر العربي في كل عصوره" [1] ، أفلا يحق، والحال هذه، أن تُذكر قصيدة الجواهري السابقة إذا كان حديثٌ عن القصائد أو النصوص الأدبية التي أسهمت في توليد الشرارات الأولى لانبثاق الشعر الحر شكلًا فنيًا جديدًا له قواعده وأصوله؟ [2] ."
ومن النصوص الشعرية الأخرى التي اتبع فيها الجواهري الطريقة الحرة في النظم، قوله [3] :
سَكَنَ البَحْرُ .. وَفَوْقَ الأَرْضِ قَدْ أَغْفَتْ .. عَلَى ضَوْءِ النُّجُومْ
سَادَ صَمْتٌ .. أَيُّ صَمْتٍ خَطَرٌ فِيهِ .. وَسِحْرُ
وَأَحَاسِيسٌ .. وَشِعْرُ
كَانَ صَمْتًَا أَبَدِيًَّا .. يَتَحَدَّى كُلَّ صَمْت
صَنَعَتْهُ مِنْ هُوَى أَعْمَاقِنَا شَتَّى أُلُوفِ الصَّرَخَاتْ
لَمْ تُمَزِّقْ سِحْرَهُ .. رَنَّةُ طَيْرٍ لا ولا نَبْحَةُ كَلْب
غَيْرَ مَا خَفْقِ جَنَاحَيْنِ .. مَرُوعَيْنِ .. يَرفَّانِ بِقَلبِي
واضح في هذا المقطع أن الشاعر يفيد من الإمكانات الإيقاعية التي يوفرها الشعر الحر، من عدم التقيد بعدد ثابت للتفعيلات في كل سطر، ومن الحرية في تنويع القافية [4] ، فالمقطع يستمد إيقاعه من تفعيلة الرمل (فاعلاتن) التي تكررت في السطر الأول والخامس والسادس والسابع خمس مرات،
(1) الجواهري .. مسيرة قرن: 140.
(2) لم يذكر أحد من الباحثين قصيدة الجواهري هذه في سياق محاولاتهم الكثيرة لتقصِّي تلك النصوص الشعرية التي مثلت المحاولات الأولى، أو كانت إيذانا بانطلاق هذا النمط الجديد من الشعر، وقد بالغ بعضهم حين ذهب إلى أن أصول هذا النمط موجودة في الشعر العربي القديم، وطفق يتابع بعض النصوص، بدءًا من الجاهلية، بحثًا عمّا يجعله أصلا للشعر الحر (ينظر: الصوت القديم الجديد: 95 وما بعدها) ، وفعل قريبًا من ذلك باحث آخر (ينظر: موسيقى الشعر عند شعراء أبوللو: 75 وما بعدها) ، وحاول بعضهم أن يجد ذلك في نصوص متفرقة نشرت في الصحف مطلع القرن العشرين لشعراء غير مشهورين، أو في نصوص كانت غفلًا عن أسماء أصحابها (ينظر: الشعر الحر في العراق منذ نشأته حتى 1958: 22 وما بعدها) ، غير أن بعض الدارسين وجد في قصيدة لإبراهيم المازني البداية الحقيقية الأولى للشعر الحر، مؤكدًا على أن الحرية في عدد التفعيلات وتنويع القوافي غير كافيين للحكم على النص بأنه من الشعر الحر، بل لا بد من تلك النزعة الدرامية التي بدتْ واضحة في قصيدة المازني (ينظر: التجديد الموسيقي في الشعر العربي: 229 وما بعدها) ، وسواء أكانت الحرية الإيقاعية أم المضمون الدرامي من شروط الشعر الحر، فإن قصيدة الجواهري آنفة الذكر آخذةٌ من كليهما بنصيب.
(3) الديوان: 5/ 375.
(4) ينظر: قضايا الشعر المعاصر: 123، وحركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر: 272، والشعر الحر في العراق منذ نشأته حتى 1958: 128، والعروض وإيقاع الشعر العربي ـ محاولة لإنتاج معرفة علمية: 101.