الصفحة 89 من 213

الحديث وحاول في بعض قصائده أن يكتب شعر التفعيلة" [1] ."

ويمكن للدارس، في ختام المطاف حول خروج الجواهري على البنية التقليدية للعروض العربي، أن يسجل ملاحظة مفادها أن الشاعر قد أعرض عن قصيدة النثر أو الشعر المنثور إعراضًا تامًا؛ وذلك لقناعته الراسخة بأن هذا الضرب من الشعر فاقدٌ"لِرَنّة الشعر الموسيقية" [2] ، وليس لأحد أن يؤول كلام الجواهري هذا على أنه انتصارٌ لنفسه وتقريعٌ للذين يَرَون في قصيدة النثر بديلًا عن الشعر الموزون، فهناك أصوات آتية من جوف الحداثة ترى ـ بوازع من الموضوعية ـ الرأيَ نفسَه، فهذا جان كوهن يقول:"إن الفنَّ الكامل هو الذي يستغلُّ كل أدواته، والقصيدة النثرية بإهمالها للمقومات الصوتية للغة تبدو، دائمًا، كما لو كانت شعرًا أبْتَرَ" [3] ، وهذا ريتشاردز يقول في حديثه عن أهمية النظم في إبراز الجانب الإيقاعي للشعر:"إن المقاطع التي تبدو هزيلة عديمة الموسيقى والحيوية في النثر أو الشعر المنثور غالبًا ما تكتسب دسامة وغزارة وموسيقى عميقة حينما ترد في كلام منظوم" [4] ، أما فوزي كريم فإنه ذهب إلى أبعد من ذلك حين قرّر أن قصيدة النثر ـ عند بعض الشعراء ـ كانت وليدة ضعف القرائح الإيقاعية، يقول:"إن ضعف الأذن موسيقيًا يشكل أحد العوامل التي دفعت عددًا من الشعراء إلى خوض تجربة قصيدة النثر" [5] ، ويضيف في موضع آخر في سياق حديثه عن الشاعر الحداثي الذي حاول استجابة شكلية لروح العصر دونما دُرْبة أذن، ودونما روح موسيقية في داخله، قائلًا:"فتوهَّم إيقاعًا لا تُدْركه الأذنُ وسمّاه (الإيقاع الداخلي) ، واختلق لقصيدته تسمياتٍ لا حصرَ لها، ونسف الجسورَ بينه وبين الأوزان، دون أن يُدرك المعنى الرمزي والنفسي لعمله هذا. فهو بهذا إنما نسف، بفعل اليأس، الجسورَ بينه وبين دربة الأذن والروح الموسيقية إلى الأبد!" [6] .

أمّا الجواهري الذي كان ذا صلة عميقة بالتراث، وكان صاحب أذن عالية الحساسية، فلم ينسف الجسور بينه وبين الأوزان، ولم يسفل بلغته وصياغته إلى مهاوي الركاكة، حتى وُصِفَتْ

(1) مجلة المدى: 69، والجواهري وسيمفونية الرحيل: 47.

(2) الديوان: 7/ 164.

(3) بنية اللغة الشعرية: 52.

(4) مبادئ النقد الأدبي: 199.

(5) تهافت الستينيين: 97.

(6) الفضائل الموسيقية: 16. وتنظر بعض الآراء الأخرى التي ترى في قصيدة النثر ضعفًا إيقاعيًا، بل فوضى، في: الإبداع الشعري وكسر المعيار: 105 و111 و113 و114 و145. ويرى كثير من النقاد أن قصيدة النثر تحمل التناقض أساسًا في اسمها، (خصوصية الإيقاع الشعري في النقد الغربي: 115) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت