وثمة مثالٌ ثانٍ أتى فيه الشاعر بإيقاع وزني خارج على سنن العروض، وذلك في قصيدته (يا فتى المغرب الجميل) التي منها هذه الأبيات [1] :
يَا فَتَى المَغرِبِ الجَمِيلْ ... سِرْ .. وَحُيِّيْتَ فِي سُرَاكْ
لَيتَنِي قَبْلَ أَنْ أَرَاكْ
نَفْحَةً مِنْ شَذَى ثَرَاكْ
غَيْرَ أَنَّ الَّذِي بَرَاكْ
سَائِرًَا يَعْشَقُ العِرَاكْ
فِي سُكُونٍ وَفِي حِرَاكْ
قَدْ بَرَانِي وَلَمْ يَزَلْ ... سَائِرًَا يَعْشَقُ الغَزَلْ
فقد نظم الشاعر هذه الأبيات، ما عدا الشطرين الأخيرين، على وزن (فاعلاتن مَفَاعِلانْ) ، وهو ما لم يذكر له العروضيون مثلًا، فضلًا عن أن النظام الشطري المتألف من تفعيلتين غير وارد في إيقاع بحر الخفيف، فهو من البحور التي لا ترد إلاّ تامة أو مجزوءة، وهذه الأبيات ـ على وفق اصطلاحات العروض في وصفها ـ هي من الخفيف المنهوك [2] !.
وقد يولِّد الشاعر تشكيلات جديدة مُفيدًا من الإمكانيات الإيقاعية المُتاحة أساسًا في علم العروض، وذلك بأن يأخذ من هذه شيئًا ومن تلك شيئًا آخر، فيخرج بتوليفة جديدة كما في قوله [3] :
وَعَظَ الشَّيْخُ وَلَكِنْ ... أُذُنِي فِيهَا انْصِمَامْ
كُلُّ شُغْلِي يَوْمَ عِيدِ الْـ ... ـفِطْرِ كَأْسٌ وَمُدَامْ
لِتَنَالَ الخَمْرُ مِنِّي ... ثَأْرَ أَيَّامِ الصِّيَامْ
فالشاعر قد أفاد من إمكانية الجَزْء في بحر الرمل، جامعًا إليه عِلّة القَصْر التي لا تدخل إلاّ في ضرب الرمل التام، فخرج علينا بأبيات من مجزوء الرمل مقصور الضرب، وهي تشكيلة لا نجد لها ـ عند العروضيين ـ مثالًا.
وما دام البحث بصدد الحديث عن خروج الجواهري على العروض التقليدي، ومغادرته البناء الإيقاعي الموروث لشعر الشطرين الملتزم بالقافية الموحدة، فإن عليه ألاّ يغفل الإشارة إلى القصائد
(1) الديوان ط. ل: 5/ 149.
(2) ينظر في تشكيلات بحر الخفيف وما يجوز فيه من العلل: فن التقطيع الشعري والقافية: 159ـ162، وشرح تحفة الخليل في العروض والقافية: 252ـ254، والإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة: 110ـ114.
(3) الديوان: 1/ 373.