هذه أبيات جُلُّها من المديد الذي وزنه (فاعلاتن فاعلن فَعِلُن) ، ما عدا الشطر الثاني من كُلٍّ من البيت الثاني والبيت الرابع اللذين هما من الخفيف (فَاعِلاتن مُسْتَفْعِلُن فَعِلُنْ) .
وتتكرر هذه الحالة في قصيدة (يا نديمي) في قوله [1] :
وَبَعِيدًَا لَحْنُ غِرِّيدِ ... هَبَّ مِنْ نَشْوَانَ عِرْبِيد
وَأَغَانِيُّ خُرَّدٍ غِيدِ ... خِلْتُهَا مِنْ حُسْنِ تَرْدِيد
خَشْخَشَاتِ العُقُودِ فِي الجِيدِ ... وَهَفَا مِنْ بَعْدِ تَصْعِيد
رَمَقٌ بَاقٍ مِنَ العُمُر
فِتي شُعَاعٍ مِنْهُ مُحْتَضَر
تقطيع هذه الأيبات يفضي إلى أن البيت الأول والشطر الثاني من البيتين الثاني والثالث من وزن بحر المديد (فاعلاتن فاعلن فَعْلُنْ) ، أما الشطر الأول منهما فإن وزنه هو (فاعلاتن مستفعلن فَعْلُنْ) [2] ، ووزن البيت الرابع هو (فاعلاتن مستفعلن فَعِلُنْ) ، وهذان الوزنان الأخيران هما من بحر الخفيف، ويمكن الانتباه إلى أن الشاعر قد التزم زحاف الخبن في التفعيلة الثانية من أبيات الخفيف جميعًا، فصارت (مستفعلن) بذلك إلى (مُتَفْعِلُن) من الخفيف [3] ، وهذا يَنُمُّ عن دراية
الشاعر وبصره بخواص الأوزان.
ويمكن، في ضوء ما تقدم، الخروج بملاحظة عن أسلوب الجواهري في المزج بين البحور، وهي أنه لا يفعل ذلك اعتباطًا، بل يُؤاخي بين الوزنين في القصيدة الواحدة إذا أحس فيهما ـ بِهْديٍ من أُذنه المرهفة ـ تقاربًا في المحتوى الإيقاعي، وهو بذلك يتجنب المزلق الذي انزلق فيه كثير من شعراء الحداثة الذين كانوا"يندفعون إلى مزج فوضوي بين الأوزان التي"
تَتّصف إيقاعاتها بالتباعد" [4] ، ومن ثم فإن شعره يسلم من نقيصة"انعدام التوازن الإيقاعي والفوضى الصوتية الناتجة عن هذا (الخلط) لإيقاعات غير محكمة التوجيه" [5] ."
من الواضح بعد هذا، أن قول بعض الدارسين:"والجواهري يحافظ على وزن واحد لا يغيره طوال القصيدة، ولم يُعرف عن الشاعر أنه حاول الخروج على وحدة"
(1) الديوان: 5/ 127.
(2) هذا التشكيل معدود ـ عند أصحاب العروض ـ في شواذ بحر الخفيف (ينظر: شرح تحفة الخليل في العروض والقافية: 253) .
(3) * وهذا يؤكد الملاحظة التي سبقت من أن بحر المديد يمكن ـ إن كان لا بد من ذلك ـ أن يدرس في ضوء بحر الخفيف، خلافًا لإبراهيم أنيس الذي رأى أن يُدرس في ضوء بحر الرمل!.
(4) حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر: 289.
(5) م. ن.