يُلحظ أن البيت الأول، وسائر هذه القصيدة، منظومٌ على وزن الكامل ذي العروض والضرب الأحذّيْنِ، الذي وزنه (متفاعلن متفاعلن فَعِلُنْ) ، غير أن البيت الثاني كما يتضح من تقطيعه العروضي (مَنْفَكْكَيَوْ/مُكَمِثْلأَمْ/سِكَعَنْغَدِنْ) قد جاء على وزن الكامل الصحيح دون دخول علة الحذذ على عروضه، فاجتمعت بذلك تشكيلتان من بحر الكامل في سياق قصيدة واحدة [1] .
وقد يفعل الشاعر الفعل نفسه في بحر الرمل، كما في الأبيات الآتية [2] :
أَجْمِعُوا أَمْرَكُمُ فَالدَّهْرُ جَمْرٌ ... وَدَمٌ لا خَمْرَةٌ تُجْنَى وَدَنُّ
يَعْمَلُ الجِيلُ لِجِيلٍ بَعدَهُ ... وَلِقَرْنٍ بَعْدَهُ يَتْعَبُ قَرْنُ
يَبْسُطُ العَانِي إِلَى العَانِي يَدًَا ... وَيَفُكُّ القِنَّ إِذ يُعْتَقُ قِنُّ
وَيَظَلُّ اللَّيْلُ يَطْوِي سِرَّهُ ... رَيْثَمَا يُعْلِنُ صُبْحٌ مَا يُكِنُّ
رَيْثَمَا يَنْتَظِمُ الكَوْنَ غَدٌ ... يَطْرُدُ الفَجْرُ بِهِ لَيْلًا يَعِنُّ
يَطْرُدُ البُؤْسَ بِهِ رِفْقٌ وَعَدْلٌ ... وَالحَزَازَاتِ مُصَافَاةٌ وَأَمْنُ
فالبيت الأول والبيت الأخير من هذه القطعة جاءا بعروض صحيحة (فاعلاتن) ، لكن الأبيات الأربعة التي تتوسطهما جاءت بعروض محذوفة، والتقت بذلك تشكيلتان من بحر الرمل في صدور هذه الأبيات هما (فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن) و (فاعلاتن فاعلاتن فاعلن) .
ولا يعدم الناظر في ديوان الجواهري أن يجد قصائد مبنية على أكثر من تشكيلتين للبحر الواحد، ففي قصيدة (باريس) يراوح الشاعر بين ثلاث تشكيلات للبحر المتقارب، وهذه الأبيات المختارة توضح ذلك [3] :
تَعَالَيْتِ"بَارِيسُ".. إِنَّ السِّنِينْ
بَمَا تَعْلَمِينَ .. وَمَا تَجْهَلِينْ
وَمَا تَسْتَلِذِّينَ إِذْ تَحْلُمِينْ
بِوَقْعِ الشَّكَاةِ .. وَرَجْعِ الأَنِينْ
وَنَثْرِ الزُّهُورِ عَلَى الفَاتِحِينْ
وَثَلِّ العُرُوشِ .. وَضَرْبِ الوَتِينْ
(1) هذا النوع من الجمع بين تشكيلات البحر الواحد مَعيبٌ عند أهل العلم بالعروض، ويُسَمُّونه"إقعادًا" (ينظر: العمدة: 1/ 143، وشرح تحفة الخليل في العروض والقافية: 394 وما بعدها، ومعجم مصطلحات العروض والقافية: 26) .
(2) الديوان: 4/ 331.
(3) م. ن: 3/ 338.