ثم قال في المقطع اللاحق:
يَا نَدِيمِي: وَرُقِّقَ النَّغَمُ ... بِرَنِينِ الأَقْدَاحِ يَنْسَجِمُ
هَبَّ مِنْ كُلِّ"قُبْلَةٍ"نَسَمُ ... وَبِحُلْوِ الشِّفَاهِ غَاصَ فَمُ
وَالحُمَيَّا كَأَنَّهَا ضَرَمُ ... فِي مَصَبِّ العُرُوقِ تَحْتَدِمُ
فالأبيات الثلاثة الأولى من الخفيف الأول (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن) ، أما الأبيات الثلاثة الأخرى فهي من الخفيف الثالث (فاعلاتن مستفعلن فاعلن) وقد التزم الشاعر زحاف الخبن في أعاريضها وأضربها فصار وزنها (فاعلاتن مستفعلن فَعِلُن) .
وقد يزاوج بين التشكيلتين آنفتي الذكر في بيت واحد، كما في قوله [1] :
قِيلَ لِي: مَاتَ أَمْسِ عَفْوًَا فُلانُ ... قُلْتُ: كَبًَّا عَلَى يَدٍ وَفَم
كَانَ قَفْرًَا زَمَانُهُ وَالمَكَانُ ... فَازْدَهَتْهُ تَوَافِهُ النِّعَم
فَاتَهُ مِنْ شَبَابِهَا العُنْفُوانُ ... فَتَكَفَّى بِفَضْلَةِ الهَرَم
فالصدور من هذه الأبيات جاءت كلها على (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن) ، أما الأعجاز فوزنها (فاعلاتن مستفعلن فَعِلُن) .
وربما نوّع الشاعر في التشكيلة الإيقاعية للأبيات بطريقة أخرى، كقوله [2] :
يَا نَدِيمِي: إِنَّ الشَّبابَ تَوَلَّى ... مُلْقِيًَا خَلْفَهُ عَلَى النَّفْسِ ظِلاَّ
يَمْنَعُ العُمْرَ بَعْدَهُ أَنْ يُمَلاَّ ... يَا نَدِيمِي: وَعِفْتُ إِلاَّ الأَقَلاَّ
ذِكْرَياتٍ مِثْلَ السَّرَابِ تَعَلَّى ... مُوهِمًَا فَرْطَ غُلَّةٍ أَنْ تُبَلاَّ
يَا نَدِيمِي: وَسِرْتُ بِالأَثَر
وَتَخَفَّى السَّرابُ عَنْ بَصَرِي
فالأبيات المطبوعة أشطرها بإزاء بعض كلها على وزن (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن) ، أما البيت الرابع الذي طبع شطراه بطريقة مغايرة فهو على وزن (فاعلاتن مستفعلن فعلن) .
وأحيانًا ينوّع الشاعر في تشكيلات بعض قصائده المبنية على النظام التقليدي، فيأتي
بتشكيلة مختلفة عن التشكيلة التي نظم عليها سائر القصيدة، كقوله [3] :
أَصَلاحُ لَمْ تَبْرَحْ صَفِيَّ هَوًى ... صدْقٍ إِذَا مَا الكَاذِبُ انْتَكَسَا
مَا انْفَكَّ يَوْمُكَ مِثْلَ أَمْسِكَ عَنْ غَدٍ ... كَلِفًَا بِحُبِّ الخَيْرِ مُنْغَمِسَا
(1) الديوان: 5/ 132.
(2) م. ن: 5/ 129. والقصيدة التي منها هذه الأبيات كُلُّها مبنية على هذا النظام الرباعي.
(3) الديوان ط. ل: 5/ 232.