الصفحة 66 من 213

تُعَاوِدُ أَدْوَاءكَ المُزْمِنَا ... تِ فِي العُهْرِ، كَالمُجْرِمِ العَائِد

فَحَيَّاكَ رَبُّكَ، مِنْ زَارِعٍ ... خِبَاثَ البُذُورِ .. وَمِنْ حَاصِد

وَلا جَفَّ حِقْدُكَ مِنْ حَاقِدِ ... وَللهِ دَرُّكَ مِنْ نَاقِدِ .. !

فقد التزم الشاعر في كل من العروض والضرب علة الحذف، وبذلك ظهرت وحدة إيقاعية جديدة هي (فَعِلْ) إلى جانب الوحدة الإيقاعية الأساسية (فعولن) ، وتحقَّق التنوع الذي يضمن للوزن تناسبَه، وبعدَه عن الرتابة.

وكما أسهمت علة الحذف في بحر المتقارب في تكوين وحدة إيقاعية جديدة، تُسهِمُ علة الحذذ في بحر الكامل في خلق التنوع وإخراج البحر من إيقاعه القائم على تكرار تفعيلة واحدة إلى إيقاع مركب من تفعيلتين بالترتيب الآتي: (متفاعلن متفاعلن فَعِلُنْ) [1] مرتين لكل بيت، ومثال ذلك قول الشاعر [2] :

وَصَرَفْتُ عَيْنِي وَهْيَ عَالِقَةٌ ... صَرْفَ الرَّضِيعِ بِرَغْمِهِ فُطِمَا

عَنْ كُلِّ مَا جَرَتِ الدِّمَاءُ بِهِ ... مَا دَقَّ مِنْ شَيءٍ وَمَا عَظُمَا

عَنْ دَوْرَةِ الوَجْهِ الَّتِي انْسَجَمَتْ ... وَجَمَالَ هَيْكَلِهَا الَّذِي انْسَجَمَا

نَطَّتْ بِهِ شَفَتَانِ زُوِّدَتَا ... بِأَلَذِّ مَا وَعَتِ الشِّفَاهُ فَمَا

جَمَعَ الشَّتَاتَ يَمُجُّ مَرْشَفُهُ ... عَبَقَ الرَّبِيعِ وَيَنْفُخُ الضَّرَمَا

وقد يُدخل الشاعر زحاف الإضمار على تفعيلة الضرب إمعانًا منه في التلوين الإيقاعي في إطار البحر نفسه، فتصبح التشكيلة كالآتي (متفاعلن متفاعلن فَعِلُن) للصدر، و (متفاعلن متفاعلن فَعْلُنْ) للعجز، ومن ذلك قوله يخاطب نفسه على سبيل التجريد [3] :

عَرَتِ الخُطُوبُ وَكَيْفَ لا تَعْرُو ... وَطَرِيقُ مِثْلِكَ صَامِدًَا، وَعْرُ

(1) علق إبراهيم أنيس على هذه التشكيلة من بحر الكامل بقوله:"لا نكاد نرى لها مثلًا واحدًا في الشعر الحديث لهذا نمثل لها بقول أبي العتاهية" (موسيقى الشعر: 68) ، والناظر في ديوان الجواهري يتبين له أن ذلك كلامٌ التثبتُ فيه قليل، فللشاعر تسع قصائد ومقطوعتان على هذا النمط من إيقاع بحر الكامل مجموع أبياتها (370 بيتًا) ، وهذه هي القصائد مع أعداد أبياتها: (ليلة معها ـ 46) ، (الذكرى ـ 48) ، (أنا ـ 35) ، (دجلة في الخريف ـ 69) ، (ذكريات ـ 47) ، (رجل ـ 22) ، (وصرفت عيني ـ 11) ، (طنجة ـ 9) ، (نحن والكلم ـ 4) ، (أأبا مهند ـ 45) ، (أأخي أبا سعد ـ 34) ، ينظر على التوالي: الديوان: 2/ 211 و225 و297 و3/ 149 و301 و4/ 249 و6/ 28 و7/ 35 و227 والديوان ط. ل: 5/ 317 و323. فهل يصح ـ والحال هذه ـ إطلاق مثل هذه الأحكام على الشعر الحديث دون النظر في شعر الجواهري؟

(2) الديوان: 6/ 28.

(3) م. ن: 3/ 309ـ310.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت