وَبَدَتْ كَالَّذِي تَعَمَّدَ شَيْئًَا ... لَمْ يُصِبْهُ فَأَخْطَأَ القَصْدَ عَمْدَا
أَنَا أَدْرِي بِقَصْدِهَا خَالَتِ الشَّيْـ ... ـبَ بِرَأْسِي لَهَا سَلامًَا وَبَرْدَا
وَ مَرَاحًَا لِمُقْلَتَيْهَا وَ لَكِنْ ... وَجَدَتْ مُقْلَتَيَّ أَفْصَحَ قَصْدَا
الأبيات من بحر الخفيف، ووزنه على الأصل (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن) مرتين لكل بيت، بمعنى أن نسبة السواكن إلى مجموع المتحركات والسواكن هي (18: 42) ، وهي نسبة أعلى من الثلث كما هو بيِّن، غير أن الشاعر قد قلّل نسبة السواكن باللجوء إلى زحاف الخبن [1] كثيرًا، فأضحت نسبة السواكن إلى مجموع المتحركات والسواكن (49: 145) وهي نسبة قريبة جدًا من الثلث.
ولئن كان الزحاف وحده في الشاهد السابق قد قام بمهمة جمالية بتقليله عدد الأحرف الساكنة، فإن العلة قد تنضم إليه ابتغاءَ تحقيقِ الغايةِ نفسِها كما في قول الشاعر [2] :
أَشَكَاةٌ وَلَيْتَ مَنْ سَمِعَا ... وَمَتَى كُنْتَ لائِذًَا فَزِعَا
وَلِمَنْ تَشْتَكِي؟ وَأَنْتَ فَتًى ... مُشْتَكَى كُلِّ خَائِفٍ هَلَعَا
صَاحِ قُلْهَا .. وَلا تَخَفْ حَرَجًَا ... شِرْعَةُ الغَابِ نَوَّقَتْ سَبُعَا
هذه الأبيات، أيضًا، من بحر الخفيف، وقد أجرى الشاعر علة الحذف على تفعيلتي العروض والضرب جميعًا فصارتا (فاعلن) ، ثم التزم زحاف الخبن فيهما فتحولتا إلى (فَعِلُنْ) ، إضافة إلى خبن تفعيلة (فاعلاتن) في الحشو ثلاث مرات وتفعيلة (مستفعلن) ست مرات إذ لم ترد إلاَّ مخبونة، وبذلك أصبحت نسبة السواكن ـ في هذا النص ـ إلى مجموع السواكن والمتحركات (33: 99) وهي النسبة التي يكون عندها الإيقاع المتولد عن توالي الحركات والسكنات منسابًا متلائمًا بعيدًا عن التقطع؛ فـ"كُلَّما قلّت السواكن قلَّ التقطُّع، وظهر التدفق والاسترسال وتوالت المتحركات في حركة سبطة لدنة يُبرزها التوزيع الحاذق للسواكن القليلة المتباعدة" [3] .
وللعلة على وجه الخصوص قيمة جمالية تكمن في أنها، في بعض الأحيان، تُحِيلُ بعض الأوزان مفردة التفعيلة إلى أوزان مزدوجة التفعيلة محققة بذلك درجة كبيرة من التناسب في بنية الوزن الذي تطرأ فيه؛ فالتنوع في الوحدات الإيقاعية من شأنه أن يوفر التناسب في أعلى مستوياته، وأبيات الجواهري الآتية تشهد على ذلك [4] :
مَتَى كُنْتَ لا تَرعَوِي عَنْ هَوًى ... تَعَفَّنَ كَالآسِنِ الرَّاكِد
(1) * خُبنت تفعيلة (مستفعلن) سبع مرات من أصل ثمان، وتفعيلة (فاعلاتن) إحدى عشرة مرة من أصل ست عشرة.
(2) الديوان ط. ل: 5/ 337.
(3) الحذف في بحر الرمل: 164.
(4) الديوان: 4/ 284. والضمير في الأبيات يعود على بعض مدّعي النقد المشوِّهين لمفاهيم الأدب ومقاييسه!.