جزئية يستوعبها النظام الإيقاعي الوزني، فهي تولِّد أنساقًا إيقاعية جديدة متساوقة مع الأنساق الأصلية غير ناشزة عنها.
وهذا الخروج على النسق له وظائفُ أهمُّها أنه يُشعر بمزيد من النظام، إذ إن إدراك اطِّراد النسق يكون أقربَ إلى الوعي بالخروجِ الجزئي عنه، ثم إنه يهدف إلى كسر الرتابة ومقاومة الخدر الناشئ عن الالتزام الصارم بالنظام، فيكون بذلك عاملًا يساعد على الانتباه واليقظة، ويخلق نوعًا من المفاجأة في سياق التوقع الملازم للنظام [1] .
وقد حاول بعض الباحثين تفسير الزحاف تفسيرًا نفسيًا؛ أي ربط الزحاف بالحالة النفسية والانفعالية لدى الشاعر [2] ، فكُلَّما كان الانفعالُ شديدًا زاد عدد التفعيلات المزاحفة [3] ، وهذا النمط من التفسير لا يسلم من نظر، ولو استقام للدارس في نصوصٍ معينة، فإنه لا يستقيم له في نصوصٍ أخرى، بتعبيرٍ آخرَ، إذا خضعت بعضُ النصوص للعلاقة الارتباطية بين الزحاف والحركة النفسية، فإن نصوصًا أخرى تتمرَّد على هذه العلاقة، وذلك أمرٌ يُفقد التفسير آنف الذكر صِفة الاطّراد والشمول، ومن ثَمَّ صفة القاعدة. ويضاف إلى ذلك أن الزحاف إنْ هو إلاَّ خروجٌ على النَّسَقِ الأصلي للدخول في نسق جديد مُوازٍ؛ أي إن الزحاف يُمثِّل تجاوزاتٍ منضبطةً وبحدود وكيفيات مُقنَّنة للإيقاع الأصلي، ومحاولة ربطها بالانفعال النفسي المُستنْبَط من المضمون الشعري شبيهةٌ بمحاولة الحكم على صلاح إيقاع بحر معين دون غيره لأغراض أو لمضامين معينة، وذلك ما لم يُقْطَعْ بصحته إلى الآن.
وقد أشار القرطاجني إلى الوظيفة الجمالية للخروج على النسق المتمثل في الزحاف خصوصًا إذ قلَّلَ من السواكن في الأوزان التي توصف بالجُعودة والتقطُّع ونَقَلَها إلى هيأة أكثر سباطة ولدونة، وذلك في قوله:"والكثير السواكن إذا حذف بعض سواكنه ولم يبلغ بذلك الحذف الإجحاف به اعتدل. وهم يقصدون أبدًا أن تكون السواكن حائمة حول ثلث مجموع المتحركات والسواكن إما بزيادة قليلة أو نقص، ولأَنْ تكون أقل من الثلث أشد ملاءمة من أن تكون فوقه" [4] ، ولعل إمعان النظر في الأبيات الآتية للجواهري يوضح الفكرة [5] :
نَظَرَتْنِي وَ إِذْ رَدَدْتُ لَهَا النَّظْـ ... ـرَةَ عَجْلَى رَاحَتْ تُضَرِّجُ خَدَّا
(1) ينظر في هذا المفهوم: ظاهرة الإيقاع في الخطاب الشعري: 44 و51، ونظرة جديدة في موسيقى الشعر العربي: 171 و172.
(2) الأسس الجمالية في النقد العربي: 376.
(3) دير الملاك: 314 و315.
(4) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 267، وينظر: مفهوم الشعر: 398.
(5) الديوان: 5/ 26.