وَدَهْوَرَهُ الوَفَاءُ وَنْعِمَ عُقبَى الـ ... ـصَّـ ... ـدَاقَةِ أَنْ يُدَهْوِرَكَ الوَفَاءُ!
فالألف واللام والصاد الساكنة من كلمة (الصداقة) كانت من حظ الشطر الأول ليمتلئ وزنه، وما تبقى من الكلمة ابتداءً من الصاد المفتوحة كان من نصيب الشطر الثاني.
والتدوير، بوصفه ظاهرة إيقاعية تخترق الوقفة العروضية والوقفة الدلالية على حد سواء، يُمَكِّن الشاعر من التعبير بصورة أفضل عن الدفقة الشعورية [1] ، ويبدو ذلك جليًا في مثل قول الجواهري [2] :
دَاوِنِي إِنَّ بِيْنَ جَنْبَيَّ قَلْبًَا ... يَشْتَكِي طُولَ دَهْرِهِ أَوْجَاعَا
لَيْتَ أَنِّي مَعَ السَّوَائِمِ فِي الأَرْضِ شَرُودٌ يَرْعَى القَتَادَ انْتِجَاعَا
لا تَرَى عَيْنِيَ الدِّيَارَ وَلا تَسْمَعُ أُذْنِي مَا لا تُطِيقُ اسْتِمَاعَا
جُلْ مَعِي جَوْلَةً تُرِيكَ احْتِقَارَ الشَّعْبِ والجَهْلَ والشَّقَاءَ جِمَاعَا
تَجِدِ الكُوخَ خَالِيًَا مِنْ حُطَامِ الدَّهْرِ والبَيْتَ خَاوِيًا يَتَدَاعَى
وَاسْتَمِعْ لا تَجِدْ سِوَى نَبَضَاتِ القَلْبِ دَقَّتْ خَوْفَ الحِسَابِ ارْتِيَاعَا
فَلَقَدْ أَقْبَلَتْ جُبَاةٌ تَسُومُ الحَيَّ عُنْفًَا وَمهْنَةً وَاتِّضَاعَا
إِنَّ هَذَا الفَلاَّحَ لَمْ يَبْقَ إِلاَّ العِرْضُ مِنْهُ، يُجِلُّهُ أَنْ يُبَاعَا
لقد بدأ الشاعر هذا المقطع ببيت غير مدوّر يُعْلنُ فيه همومه وأوجاعه التي تزاحمت في صدره بسبب تردي الأوضاع في بلده، وما إن دخل في تفصيل هذه الهموم أو تفسيرها حتى بدأ في تدوير الأبيات كلها، وكأن الشطر الواحد من البيت ضاق عن استيعاب المعاني المتدفقة التي تمور بها مشاعره، وبهذا يصبح التدوير إمكانية تعبيرية"تعمل على الربط بين الإيقاع والمحتوى الفكري والعاطفي في انسجام تام" [3] .
(1) البنية الإيقاعية في شعر حميد سعيد: 54.
(2) الديوان: 2/ 95. وستكتب الأبيات متصلة كما وردت في الديوان. وينظر: م. ن: 1/ 452.
(3) البنية الإيقاعية في شعر حميد سعيد: 55.