ولا يعدم الدارس نماذج أخرى من شعر الجواهري يقترن فيها التدوير بالتعبير المحتدم الذي يعكس احتدام المشاعر وتدفقها على نحو تصبح فيها الوقفة عند نهاية الشطر أمرًا متعذرًا، ففي قصيدة (أطبق دجى) المفعمة بالغضب العارم يصبح التدوير في مقاطع منها مؤشرًا إلى"توتر الشاعر ورغبته بالاستمرار وعدم التوقف، للتعبير عن حالة وجدانية داهمته، يصبح معها القطعُ قطعًا للحالة قبل اكتمالها، وكأنَّ الفجاءة لا تمهله لالتقاط أنفاسه في نهاية كل شطر، فيواصل الكلام ولا يقف إلاّ عند آخِرِ البيت" [1] ، يقول [2] :
أَطْبِقْ عَلَى مُتَبَلِّدِيْـ ... ـَنَ شَكَا خُمُولَهُمُ الذُّبَابُ
لَمْ يَعْرِفُوا لَوْنَ السَّمَا ... ءِ لِفَرْطِ مَا انْحَنَتِ الرِّقَابُ
وَلِفَرْطِ مَا دِيْسَتْ رُؤُوْ ... سُهُمُ كَمَا دِيْسَ التُّرَابُ
أَطْبِقْ عَلَى المِعْزَى يُرَا ... دُ بِهَا عَلَى الجُوعِ احْتِلابُ
أَطْبِقْ عَلَى هَذِي المُسُو ... خِ تَعَافُ عِيشَتَهَا الكِلابُ
فِي كُلِّ جَارِحَةٍ يَلُو ... حُ لِجَارِحٍ ظُفْرٌ وَنَابُ
يَجْرِي الصَّدِيدُ مِنَ الهَوَا ... نِ كَأَنَّهُ مِسْكٌ مُلابُ
أطْبِقْ عَلَى الدِّيدَانِ مَـ ... ـلَّـ ... ـتْهَا فَيَافِيكَ الرِّحَابُ
أَطْبِقْ عَلَى هَذِي الوُجُو ... هِ كَأَنَّها صُوَرٌ كِذَابُ
المُخْرَسَاتُ بِهَا الغُضُو ... نُ فَلا سُؤَالَ وَلا جَوابُ
بُلْهًَا تَدُورُ بِهَا العُيُو ... نُ كَأَنَّ صَحْصَحَهَا سَرَابُ
مَلَّ الفُؤَادُ مِنَ الضَّمِيْـ ... ـرِ وَضَجَّ بِالرُّوحِ الإِهَابُ
إن غضب الشاعر وبرمه بمجتمعه ـ في هذا النص ـ قد انعكس على صفحة الإيقاع متجليًا في ظاهرة التدوير، ومؤكدًا أنه"ليس ظاهرة اعتباطية بل هي أداة تعبيرية ذات قدرة على تحقيق مرمىً نفسي ودلالي يقصده الشاعر" [3] .
وإلى جانب كون التدوير ظاهرة إيقاعية تقترن في أغلب الأحيان بحالات وجدانية معينة، يؤكِّد بعض الباحثين ارتباطه بالأداء القصصي وأسلوب السرد [4] ، والناظر في ديوان الجواهري يجد
(1) الأسلوبية والصوفية: 45.
(2) الديوان: 3/ 407، وفيه أخطاء في تعيين موطن التدوير. والضمير في (أطبق) يعود على (الدجى) المذكور قبل هذه الأبيات. وينظر: م. ن: 1/ 123.
(3) لامية المتنبي (ما لنا كلنا جو يا رسول) قراءة إيقاعية: 156.
(4) دير الملاك: 330ـ331.