على القافية، ولعله بتخطيه الفعلي لها يشير إلى تجاوزه للعلاقة العفيفة التي أرادتها المرأة، ونيله منها ما أراد.
إيقاع التدوير:
التدوير مصطلح إيقاعي يدلُّ على اقتضاءِ وزن البيت اشتراكَ شطريه في كلمة واحدة، يكون جزء منها في الشطر الأول، والجزء الباقي في الشطر الثاني [1] ، والبيت المدوّر هو الذي اشترك صدره وعجزه في كلمة واحدة بأن يكون بعضها من الصدر وبعضها من العجز [2] .
إن التدوير بوصفه ظاهرة إيقاعية بالدرجة الأولى ذو أهمية بارزة، فهو"في ذاته نوع من التلوين الخفيف يُضفي موسيقى شعرية وتموجًا" [3] لاختراقه الوقفة بين المصراعين من البيت، وتجاوزه لها، على الرغم من أن الوقفةَ"عنصرٌ مركزي له وضعية المهيمن على العناصر الأخرى في البيت القديم، والبنية السائدة للبيت التقليدي معًا" [4] ، فالمتلقي يتصور على كلِّ حال في نهاية الشطر الأول زمان سكوتٍ قصير يحتاج تجاوزه"إلى مران أكثر للأذن حيث إن حالة التدوير تلغي ذلك الزمان في نهاية الشطر الأول" [5] ، وتحيل البيت شطرًا واحدًا لا أثَرَ للوقفة العروضية في منتصفه كما في قول الجواهري [6] :
(1) معجم مصطلحات العروض والقافية: 56، والشعر والنغم: 184.
(2) موسيقى الشعر العربي بين الثبات والتطور: 61، وموسيقى الشعر وعلم العروض: 28. وقد ذكر القدماء التدوير تحت مصطلحات أخرى، قال ابن رشيق:"والمُداخل من الأبيات: ما كان قسيمه متصلًا بالآخر، غير منفصل منه، قد جمعتهما كلمة واحدة، وهو المدمج أيضًا ... وهو حيثُ وَقَعَ من الأعاريض دليلٌ على القُوّة" (العمدة: 1/ 177ـ178) .
(3) سايكولوجية الشعر ومقالات أخرى: 229، وينظر: قضايا الشعر المعاصر: 112.
(4) الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها: 1/ 138. ويسمي بعض الدارسين الوقفة بين الصدر والعجز بـ"السكتة" (العروض وإيقاع الشعر العربي: 79) .
(5) أوزان الألحان بلغة العروض: 73.
(6) الديوان: 2/ 49. ومن المفيد هنا أن يُقال إن الدقة في كتابة الأبيات المدوّرة أو طباعتها ضرورية ليُؤْمَنَ اللَّبْسُ والاشتباهُ في المسافة الفاصلة عروضيًا بين الشطرين، فقد وردت أبيات مدورة في الديوان أفضى الخطأ في طباعتها إلى تشكيل عروضي مغاير لوزن القصيدة، من ذلك هذا البيت (الديوان: 1/ 315) :
يَا شَبابًا نَهَضُوا ... وَالنَّاسُ مِنْ هَاوٍ وَكَابِي =
=فالشطر الأول ـ على وفق هذا الشكل الطباعي ـ من مجزوء المديد، والثاني من مجزوء الكامل المرفل، والصحيح أن البيت من مجزوء الرمل والتدوير فيه واقع على النون المشددة من (الناس) . وأحيانًا يؤدي الخطأ في تعيين موضع التدوير طباعيًا إلى الظن بأن في البيت تصريعًا كما في البيت الآتي الذي ظهر هكذا (الديوان: 1/ 491) :
فِيهِمَا دَافِعُ الغَرِيزَةِ يُغْرِينِي ... وَعَدْوَى وِرَاثَةٍ تَزْوِينِي
والصواب أن البيت مدور، والتدوير فيه يقسّم لفظة (يغريني) فيجعل (يغريـ) في الصدر و (ني) في العجز. ولهذه الظاهرة أمثلة أخرى يُغني هذان المثالان عنها.