الصفحة 55 من 213

حَسْبِي وَحَسْبُكُمَا مِنْ فُرْقَةٍ وَجَوًى ... بِلاعِجٍ ضَرِمٍ كَالجَمْرِ يَكْوِينِي

لَمْ أَعْدُ أَبْوَابَ سِتِّينٍ، وَ أَحْسِبُنِي ... هِمًَّا وَقَفْتُ عَلَى أَبْوَابِ تِسْعِين

يَا صَاحِبَيَّ إِذَا أَبْصَرتُ طَيْفَكُما ... يَمْشِي إِلَيَّ عَلَى مَهْلٍ يُحَيِّيْنِي

أَطْبَقْتُ جَفْنًَا عَلَى جَفْنٍ لأُبْصِرَهُ ... حَتَّى كَأَنَّ بَرِيقَ المَوْتِ يُعْشِينِي

وجد الأبيات الثلاثة الأولى منتهية بنغمة هابطة لانتهاء معنى كل منها بالقافية، في حين ينتهي البيت الرابع بنغمة مستوية لتعلقه دلاليًا عن طريق أسلوب الشرط بالبيت الخامس الذي تعود نغمة نهايته إلى الهبوط مع انتهاء المعنى، فالتضمين يعمل على تلوين نهاية الأبيات التي يقع فيها بإيقاع مغاير لنهايات الأبيات المستقلة دلاليًا.

إن التضمين في هذا النص وأشباهه يحقق غاية جمالية هي غاية التوتر ـ بخلاف الفهم القديم الناظر إلى التناسب على أنه الغاية الجمالية ـ الناتج عن الصراع في نهايات الأبيات بين القافية التي تسعى إلى تحديد نهاية البيت صوتيًا ودلاليًا، والتضمين الذي هو تعلُّق بين جزئي جملة يحول دون تحقُّق هذا السعي؛ لأنه يربط البيتين أو الأبيات ببعضها ربطًا دلاليًا بحيث لا يستطيع القارئ أو المنشد أن يتوقف تمامًا عند القافية، فالتنغيم هنا ليس هابطًا بل مستويًا، وينتج عن هذا الصراع توتر وترقب للاكتمال والتحقق لدى المتلقي، وهذا في حد ذاته قيمة جمالية يتوق الفنان إلى تحقيقها، كما أنه تحقيق لقيمة جمالية أخرى هي قيمة التنوع الذي يكسر ملل الوحدة المطلقة لنغمة نهاية الأبيات [1] .

لقد استغل الجواهري خاصية الصراع الناشئ عن التضمين استغلالًا موفقًا، لا سيّما في النصوص التي يمكن أن يُقرأ الصراع المذكور في ضوء مضامينها، ومن ذلك قوله يصف إحدى تجاربه مع النساء [2] :

صِرَاعٌ يَطُولُ فَكَمْ تَهْدِفِينَ ... إِلَى الرُّوحِ مِنِّي وَكَمْ أَهْدِفُ

إِلَى الجِسْمِ مِنْكِ وَكَمْ تَعْرِفِيْـ ... ـنَ أَيْنَ المَحَزُّ وَكَمْ أَعْرِفُ

إن الصراع في هذا النص بين القافية التي يُحقِّقُها الشاعر إيقاعيًا والدلالة التي لم تتشكّلْ أو تتكاملْ بعد، يومئ ـ ولو من طرف خفي ـ إلى الصراع القائم بينه وبين المرأة التي تحاول الحفاظ على قدسية العلاقة بينهما وعدم إفسادها برغبات الجسد، في حين يطمع الشاعر في تجاوز ذلك وصولًا إلى جسمها ليشبع رغبته، فموقف المرأة الملتزم بالقواعد الاجتماعية يجسده الالتزام الإيقاعي بالقافية، أمّا موقف الشاعر المتمرد على الضوابط العُرفية أو الاجتماعية فيجسّده التمرد الدلالي

(1) الإيقاع في شعر السياب: 28.

(2) الديوان: 3/ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت