الصفحة 54 من 213

الشاعر إلى التعبير عنه، والشكل الذي يقف عائقًا نسبيًا دون الوصول إلى ذلك بصورة كاملة، هذا التناقض الذي كان التضمين أبرز تجلياته كان بمثابة الإرهاص أو الإيذان بتغير ثبوت العلاقة القائمة بين الوزن والقافية، وبانفصام الائتلاف المتحقق بينهما على مدى عصور طويلة من تلازمهما الإيقاعي التقليدي [1] ، وهو ما حقّقه الجواهري فعلًا من خروج على النمط التقليدي للإيقاع العروضي فيما بعد [2] إن النظر إلى التضمين في ضوء ظاهرة التنغيم المعقودة على"تنويع في درجات الصوت خفضًا وارتفاعًا في الوحدة الدلالية" [3] ، من شأنه أن يلقي ضوءًا كاشفًا آخرَ على مدى أهميته ضمن مجمل الخطاب الشعري، إذ ليس من الممكن أن يحتفظ النص الشعري بنغمة واحدة رتيبة مكرورة، بل"تظل النغمة في صعود وهبوط مع الانسجام في درجة الصعود والهبوط بحيث إذا انتهى المعنى هبط الصوت وأشعر بانتهائه، وإذا كان للمعنى بقية صعد الصوت وأشعر السامع بوجوب انتظار باقيه" [4] .

وبما أن اللغة العربية من اللغات التنغيمية فإن التنغيم يعمل فيها على مستوى الجملة وليس على مستوى الكلمة [5] ؛ أي إن التنغيم يأخذ شكله بموجب انتهاء الجملة صوتيًا ودلاليًا، فالجملة التقريرية تنتهي بنغمة هابطة وكذلك الاستفهام بغير الأداتين (هل والهمزة) ، في حين تتخذ الجملة الاستفهامية بهاتين الأداتين شكلًا تنغيميًا صاعدًا، أما إذا وقف المتكلم قبل تمام المعنى وقف على نغمة مسطحة أو مستوية غير صاعدة ولا هابطة [6] .

فإذا تأمل الدارس ـ على سبيل المثال ـ قول الجواهري [7] :

وَيَا ضَجِيعَيْ كَرًى أَعْمَى يَلُفُّهُما ... لَفَّ الحَبِيبَيْنِ فِي مَطمُورَةٍ دُون

(1) السكون المتحرك: 1/ 60 و65.

(2) * سيأتي الكلام على ذلك في محور مستقل بإذن الله.

(3) الأصوات اللغوية: 257.

(4) موسيقى الشعر: 170، وينظر: دراسة الصوت اللغوي: 193.

(5) دراسة السمع والكلام: 259، ودراسة الصوت اللغوي: 194.

(6) علم الأصوات: 534 وما بعدها، وينظر: الإيقاع في شعر السياب: 25. ومن أمثلة التنوع في التنغيم الوقف عند فواصل الآيات من قوله تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ - وخَسَفَ القَمَرُ - وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ - يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُّ} (القيامة: 7ـ10) فالوقف على"البصر"و"القمر"أولًا و"القمر"ثانيًا وقفٌ على معنًى غيرِ تام، فتظل نغمة الكلام مسطحة دون صعود أو هبوط، أما الوقف على"المفر"فالنغمة فيه هابطة؛ لأنه وَقْفٌ عند تمام معنى الاستفهام بغير الأداة، أي الاستفهام بالظرف. (اللغة العربية معناها ومبناها: 230) .

(7) الديوان: 5/ 106ـ107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت