وَلَمْ تَسْتَطِعْ هِمَمُ المُدَّعِيْـ ... ـنَ صَبْرًَا عَلَى جَمرَةِ المُدَّعَى
خَلَصْتِ كَمَا خَلَصَ ابْنُ القُيُونِ ... تَرَعْرَعَ فِي النَّارِ ثُمَّ اسْتَوَى
تَسَامَيْ فَإِنَّ جَنَاحَيْكِ لا ... يَقَرَّانِ إِلاَّ عَلَى مُرْتَقَى
كَذَلِكِ كُلُّ ذَوَاتِ الطِّمَا ... حِ وَالهَمَّ، مَخْلُوقَةٌ لِلذُّرَى
شَهِدْتُ بِأَنَّكِ مَذْخُورَةٌ ... لأَبْعَدَ مَا فِي المَدَى مِنْ مَدَى
وَأَنَّكِ سَوْفَ تُدَوِّي العُصُورُ ... بِمَا تَتْرُكِينَ بِهَا مِنْ صَدَى
بِآيَةِ أَنَّ يَدَ المُغْرِياتِ ... تَهَابُكِ إِلاَّ كَلَمْسِ النَّدَى
وَأَنَّكِ إِنْ يَلْتَهِبْ مَطْمَعٌ ... يُخَافُ عَلَى الرُّوحِ مِنهُ العَمَى
يَمُوتُ"النُّبُوغُ"بِأَحْضَانِهِ ... وَيُنْعَى بِهِ"الأَمَلُ"المُرْتَجَى
وَتَمْشِي الجُمُوعُ عَلَى ضَوْئِهِ ... لِتَبْكِي عَلَى عَبْقَريٍّ قَضَى
وَكَادَتْ تَلُفُّكِ فِي ضَوئِهَا ... حَوَاشِيهِ .. رَدَّكِ عَزْمٌ مَضَى
فهذه أبيات تنطوي على ترابط دلالي متين حيث يصعب أن يُفهم بيتٌ منها إلاّ في سياقه الذي وضعه فيه الشاعر.
وعلى هذا النحو يبدو أن التضمين عند الجواهري بتعدد الصيغ اللغوية التي يتشكل بها [1] ، وبوفرته الكمية، وحيويته الإيقاعية النابعة من حالة التوتر والترقب لدى المتلقي إلى ما سيجيء من أبيات، قد وجد طريقة إلى"جسد القصيدة كعنصر بناء، بعد أن كان عنصر هدم في النقد الكلاسيكي" [2] .
إن وحدة البيت الشعري التي كانت القاعدة الكلاسيكية الأساسية التي بنى عليها النقاد العرب الأوائل مفهومهم للشعر، قد أصابتها خلخلة بفعل ظاهرة التضمين الناشئة عن توسع المضامين العصرية وعن إصرار الشاعر على التعبير عن دواخله النفسية المتنامية المتزايدة [3] ، وذلك ما جعل حركة من التناقض تنمو داخل شكل القصيدة التقليدية بين المعنى الذي يصبو
(1) يجد الدارس في الديوان فضلًا عن تعليق الأبيات ببعضها بالشرط وبالقول ومقوله، تعليقًا باستخدام المبتدأ والخبر (ينظر: الديوان: 1/ 304 و413 و2/ 136) ، والنواسخ ومعمولاتها (ينظر: م. ن: 1/ 281 و2/ 61 و3/ 101 و121 و205) والقسم وجوابه (ينظر: م. ن: 3/ 265 و4/ 225 و5/ 273ـ274) والفعل ومفعوله (ينظر: م. ن: 2/ 153 و3/ 142 و189 و4/ 156) وفعل الأمر وجوابه (ينظر: م. ن: 2/ 75و 5/ 98) .
(2) بنية الإيقاع في الخطاب الشعري: 26.
(3) يشير الجواهري إلى ذلك في جواب عن سؤال وُجِّه إليه بخصوص انتهاء الصور لديه، يقول:"ما أكثر الصور! لو أُخلقُ من جديد، لو أُعطى خمسين مرة هذا العمر .. ما انتهت الصور" (الديوان: 7/ 16) .