نتيجة يمثل استخدام التقنية السردية ـ في هذه الأبيات ـ سببًا من أسبابها، إذ من غير المنطقي أن يَقْوَى بيتٌ واحد بإيقاعه المحدّد أن يستوعب ظاهرة كهذه.
وقد ينعطف الشاعر بظاهرة التضمين، من بُعدها القديم المعيب، إلى بعد جديد يوفِّر به الصلة بين أجزاء النص، ويكسبه تماسكًا نسيجيًا يُمَهِّد لبناء الوحدة العضوية في النص، كقوله [1] :
وَخِلتُ وَقَدْ طَارَتِ الذِّكْرَيَاتُ ... بِرُوحِي إِلَى عَالَمٍ أَرْفَع
وَطُفْتُ بِقَبْرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ ... بِصَوْمَعَةِ المُلْهِمِ المُبْدِع
كَأَنَّ يَدًَا مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيْـ ... حِ حَمْرَاءَ مَبْتُورَةَ الإِصْبَع
تُمَدُّ إِلَى عَالَمٍ بِالخُنُو ... عِ وَالضَّيْمِ ذِي شَرَقٍ مُتْرَع
تَخَبَّطَ فِي غَابَةٍ أَطْبَقَتْ ... عَلَى مُذْئِبٍ مِنْهُ أَوْ مُسْبِع
لِتُبْدِلَ مِنْهُ جَدِيبَ الضَّمِيرِ ... بِآخَرَ مُعْشَوْشِبٍ مُمْرِع
هذه الأبيات تشتمل على تلاحم متين فيما بينها عن طريق تعلق كُلٍّ منها بتاليه بعلاقة نحوية، فالبيت الأول يتعلق بالثاني عن طريق العطف ومن ثم بالثالث الذي اشتمل على مفعول (خلتُ) الوارد في البيت الأول، وارتبط البيت الثالث بالرابع لوقوع خبر (كأن) في الرابع، أمّا البيت الخامس فمبدوء بجملة فعلية هي صفة لـ (عالم) الواردة في البيت الذي قبلها، وأخيرًا تعلق البيت السادس بالبيت الثالث بسبب من الفعل (تبدل) الذي فاعله يعود على (يدًا) .
إن هذا التعلق المتتابع للأبيات من شأنه أن يخلق منطقة شعرية ضمن القصيدة تتميز بإيقاعات تنغمية لنهاياتها مختلفة عن الإيقاعات التنغيمية لسائر القصيدة، ممّا يوفر درجة من الانتهاك للنسق السائد، وذلك أمر لا غنى للإيقاع عنه ليخرج من الرتابة [2] .
وقد يمتد التضمين على مساحة واسعة من جسد القصيدة، فيكون بذلك آلية فاعلة في تشكيل وحدة النص كما في الأبيات الآتية [3] :
أَقُولُ لِنَفْسِي إِذَا ضَمَّهَا ... وَأَتْرَابَها مَحْفِلٌ يُزْدَهَى:
تَسَامَيْ فَإِنَّكِ خَيْرُ النُّفُوسِ ... إِذَا قِيسَ كُلٌّ عَلَى مَا انْطَوَى
وَأَحْسَنُ مَا فَيكِ أَنَّ الضَّمِيرَ ... يَصِيحُ مِنَ القَلْبِ أَنِّي هُنَا
وَأَنْتِ إِذَا زَيَفُ المُعْجَبِينَ ... تَلأْلأَ لِلعَيْنِ ثُمَّ انْجَلَى
(1) الديوان: 3/ 233ـ234.
(2) * سيأتي الكلام على إيقاع النهايات في فقرات لاحقة.
(3) الديوان: 3/ 206ـ207، ووردت الكلمة الأخيرة من البيت الأخير فيه (قضى) والتصحيح من الديوان (ط. ل) . وينظر في التضمين وتلاحم النص: في حداثة النص الشعري: 80ـ81.