الصفحة 51 من 213

أَوْ دُفِعَ العِرَاقُ لِلـ ... ـذُّ ... لِّ أَوِ التَّدَهْوُر

فَاحْتَكِمِي تُحَكَّمِي ... وَتُحْمَدِي وَ تُؤْجَرِي

يلاحظ في هذه الأبيات التعارض الواضح بين الوقفة العروضية والوقفة الدلالية، فعلى الرغم من أن المعهود في القافية أنها تنهي البيت إيقاعًا ودلالة، نجد الشاعر يتخطاها ويتجاوزها دلاليًا مع تحقيقه لها إيقاعيًا، ضامنًا بذلك إيراد جميع التفاصيل واستقصاء جزئيات المعنى في القالب القديم الذي لا يتيح له ذلك إن هو التزم بصرامة المعايير النقدية القديمة.

إن التضمين في هذا النص، وغيره من النصوص، يخلق حالة من التوتر عند المتلقي الذي ينتظر القافية ويتوقع اكتمال الدلالة عندها، فينتهي انتظاره بمجيء القافية، ويخيب ظنه بقصور الدلالة، فيضطر إلى الانشداد إلى البيت الثاني مترقبًا ضالّته متشوقًا إلى مكمل لدلالة البيت أو الموفي بمعناه، وبين حدوث التوقع إيقاعيًا، وخيبة الظن في ذلك دلاليًا، تكمن وظيفة الإيقاع الذي يوصف بأنه يحاول التأثير في الحساسية وفي الانتباه عند المتلقي.

ومن أمثلة التضمين الأخرى ما يكون بغير أسلوب الشرط، كالتضمين الواقع بين القول ومقوله، من ذلك قول الشاعر [1] :

قَالَ طِفْلِي، وَقَدْ رُمِيتُ بِقَاعِ ... وَ تَلاقَتْ عَلَيَّ شَتَّى البِقاع

لَزَّنِي فِي العَذَابِ حَاكِمُ بَغْدَا ... دَ بِأَمْرٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مُطَاع

وَاجْتَوَانِي حُكَّامُ مِصْرَ وَلُبْنَا ... نَ يَخَافُونَ مِقْوَلِي وَيَرَاعِي

كُنْتُ أَنَّى حَلَلْتُ ثَمَّ وَهَنَّا ... مِنْ عُتُوِّ الوُلاةِ ضَيْفَ السِّباعِ:

أَبَتِي كَيْفَ يَسْتَجِيبُ لَكَ الرِّزْ ... قُ وَقَدْ جَانَبَتْكَ شَتَّى الدَّواعِي

في هذا النص يُسْهِم تدفق المعنى الناشئ عن الطبيعة السردية للأبيات، في تجاوز القافية التي يُفترض فيها أن تكون محطة انتهاء معنى البيت وإيقاعِهِ في آن،"وذلك تمرد ضمني يجعل المتلقي مشدودًا إلى مضمون النص الشعري، معلقًا ذهنه بأطراف المعنى الذي قد تطول مسافته وتتسع مساحته" [2] .

إن التضمينَ على هذا النحو"خرقٌ للإرسالية الشعرية دلاليًا مع الحفاظ على المعيار العروضي" [3] ؛ أي إن وحدة البيت دلاليًا قد أصابها عنصر انتهاك تجاوز بها المفهوم القديم، وتلك

(1) الديوان: 4/ 229، وينظر في التضمين الذي بين القول ومقوله: م. ن: 1/ 444 و467 و481 و2/ 294 و3/ 260 و4/ 107 و5/ 25.

(2) السكون المتحرك: 1/ 72.

(3) البنية الإيقاعية في شعر حميد سعيد: 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت