الدلالية مع الوقفة العروضية على مستوى البيت الواحد. يقول قدامة تحت عنوان (عيوب ائتلاف المعنى والوزن معًا) :"ومنها المبتور وهو أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروضُ تمامَه في بيت واحد فيقطعه بالقافية ويتمّه في البيت الثاني" [1] ، وسماه ابن رشيق تضمينًا وجعله من عيوب الشعر [2] ، في حين جعله ابن عبد ربه من عيوب القوافي [3] ، ونسبه القرطاجني إلى القبح [4] .
إلا أن المتأمل في الديوان تسترعي انتباهه محاولات لخرق القاعدة آنفة الذكر، وهي محاولات كثيرة نسبيًا [5] ، تتجلى في ظاهرة التضمين التي تتجاوز وحدة البيت إلى بسط المعنى على بيتين أو أكثر.
ولعل أكثر صور التضمين دورانًا في شعر الجواهري ما تعلق فيه البيت بلاحقه عن طريق الجملة الشرطية، إذ تقع أداة الشرط وفعل الشرط في بيت معين، ثم لا يستوفي الشرط جوابه إلا في بيت لاحق كقوله [6] :
أَمَا وَاللهِ لَوْلا خَوْفُ وَاشٍ ... يُحَرِّفُ عَنْ مَقَاصِدِهِ بَيَانِي
إِذَنْ لَمَلأْتُ مَحْفِلَكُمْ شُجُونًا ... دَمًَا يَبْكِي عَلَيْهِ الرَّافِدَان
وقد يأتي جواب الشرط بعد عدة أبيات كقوله [7] :
أَيْ طَرْطَرا إِنْ كَانَ شَعْـ ... ـبٌ جَاعَ أَوْ خَلْقٌ عَرِي
أَوْ أَجْمَعَ السِّتُّ المَلا ... يِيْنُ عَلَى التَّذَمُّر
أَوْ حَكَمَ النِّسَاءُ حُكْـ ... ـمَ الغَاصِبِ المُقْتَدِر
أَوْ صَاحَ نَهْبًا بِالبِلا ... دِ بائِعٌ أَوْ مُشْتَرِي
أَوْ نُفِّذَ المَرْسُومُ فِي ... مَحَابِرٍ وَ أَسْطُر
أَوْ أُخِذَ البَرِيءُ بالْـ ... ـمُجْرِمِ أَخْذَ طَرْطَرِي
(1) نقد الشعر: 209. وقد نقل المرزبانيُّ كلامَ قدامةَ بنصِّه في (الموشح: 129) .
(2) العمدة: 1/ 164، وينظر: 1/ 171.
(3) العقد الفريد: 6/ 301 وينظر: 303. وقد درج العروضيون على أن يسلكوا التضمين في عيوب القافية (ينظر: فن التقطيع الشعري والقافية: 276، وشرح تحفة الخليل في العروض والقافية: 374، وموسيقا الشعر وعلم العروض: 54، ومعجم مصطلحات العروض والقافية: 9) .
(4) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 277.
(5) * لم يقم الباحث بإحصاء مفصل لذلك، إلا أن كثرة الشواهد تسوغ مثل هذا الكلام.
(6) الديوان: 1/ 399، وينظر: 468 و2/ 57 و92 و120 و132 و153 و3/ 97 و4/ 20 و5/ 94 و107.
(7) م. ن: 3/ 123، وينظر في التضمين الذي يتسع ليشمل أكثر من بيتين: م. ن: 2/ 34 و193 و194 و232 و3/ 243 و4/ 26 و49.