بنية البيت الشعري:
تكلم النقاد العرب القدماء على البيت الشعري وعلى قوانين بنائه كلامًا يُعاد مفهومُه حتى العصر الحديث عند أولئك الذين آثروا النهج التقليدي في بناء القصيدة، ومن هؤلاء النقاد ابن رشيق القائل:"والبيت من الشِّعْر كالبيت من الأبنية: قراره الطبع، وسمكه الرواية، ودعائمه العلم، وبابه الدُّربة، وساكنه المعنى، ولا خير في بيت غير مسكون، وصارت الأعاريض والقوافي كالموازين والأمثلة للأبنية، أو كالأواخِيِّ والأوتاد للأخبية، فأما ما سوى ذلك من محاسن الشعر فإنما هو زينة مستأنقة ولو لم تكن لاسْتُغْنِيَ عنها" [1] . إنه كلام يَتَّكِئُ على المرئي (بيت السكن) في إيضاح المسموع (بيت الشِّعْر) ، والذي يهم منه ـ في هذا السياق ـ هو أن بيت الشِّعْر يستقيم بأعاريضه وقوافيه كما أن بيت الشَّعَر ينتصب بأوتاده وحباله، ثم إن توازي الأوتاد على طرفي بيت السكن يومئ إلى توازي الشطر الأول المنتهي بالعروض مع الشطر الثاني المختوم بالقافية، نحن إذن بإزاء كيان لغوي هو البيت يَأْتَلِفُ من جُزأين متساويين متوازيين هما شطراه.
وللقرطاجني كلامٌ أدقُّ وأشدُّ تفصيلًا ـ بسبب تكوينه الفلسفي ـ من كلام ابن رشيق آنف الذكر يقول فيه:"ولمّا قصدوا أن يجعلوا هيئات ترتيب الأقاويل الشعرية ونظام أوزانها متنزّلة في إدراك السمع منزلة وضع البيوت وترتيباتها في إدراك البصر تأملوا البيوت فوجدوا لها كسورًا وأركانًا وأعمدة وأسبابًا وأوتادًا. فجعلوا الأجزاء التي تقوم منها أبنية البيوت مقام الكسور لبيوت الشَّعَر. وجعلوا اطّراد الحركات فيها الذي يوجد للكلام به استواء واعتدال بمنزلة أقطار البيوت التي تمتدّ في استواء."
وجعلوا ملتقى كل قطرين وذلك حيث يُفصل بين بعضها وبعض بالسواكن ركنًا؛ لأن الساكن لمّا كان يحجز بين استواء القطرين المكتنفين له صار بمنزلة الركن الذي يعدل بأحد القطرين اللذين هما ملتقاهما عن مساواة الآخر ومسامتته، ولأن الساكن له حِدّةٌ في السمع كما للركن في رَأْي العين.
وجعلوا الوضع الذي يُبْنَى عليه منتهى شطر البيت وينقسم عنده نصفين بمنزلة عمود البيت الموضوع وسطه.
وجعلوا القافية بمنزلة تحصين منتهى الخباء والبيت من آخرهما وتحسينه من ظاهر وباطن، ويمكن أن يُقال: إنها جُعلت بمنزلة ما يعالى به عمود البيت من شعبة الخباء الوسطى التي هي ملتقى أعالي كسور البيت وبها مناطها. وقد يُقال: إنهم جعلوا العروض والضرب وهما نهايتا شطري البيت في أن وضعوهما وضعًا متناسبًا متقابلًا منزلة القائمين في وسط الخباء اللتين يكون
(1) العمدة: 1/ 121. والأواخي جمع أَخِيَّة وهي الطُّنُبُ الذي هو حبل الخباء. (لسان العرب: 1/ 42 و4/ 2708) .