بيتًا، ورابع أطول قصيدة وهي (ظلام) [1] التي بلغت (206) بيتًا، وخامس أطول قصيدة وهي (سلامًا عيد النضال) [2] التي كان عدد أبياتها (201) بيتًا.
ومن هذا البحر قول الجواهري مخاطبًا الحسين بن علي رضي الله عنهما [3] :
فِدَاءٌ لِمَثْوَاكَ مِنْ مَضْجَعِ ... تَنَوَّرَ بِالأَبْلَجِ الأَرْوَع
تَعَالَيْتَ مِنْ مُفْزِعٍ لِلْحُتُوفِ ... وَبُورِكَ قَبْرُكَ مِنْ مَفْزَع
إن العرض السابق للبحور التي استخدمها الجواهري مع بيان نسب الاتجاه اليها، والبقاء في جَوِّها الإيقاعي، وطول نَفَسِ الشاعر في كُلٍّ منها، ومقارنة ذلك بالنسب التي كان عليها الشعر القديم [4] يفضي إلى مجموعة من الملاحظ يمكن إجمالها في الآتي:
1ـ أعرض الجواهري عن أربعة أبحر إعراضًا تامًا، وهي المنسرح والمقتضب والمضارع والمتدارك [5] ، فلم ينظم عليها ولو بيتًا واحدًا، أما بحر الهزج فلم يَعُدْ عنده بحرًا مستقلًا بل انصهر إيقاعه في إيقاع أخيه مجزوء الوافر.
(1) الديوان: 4/ 139.
(2) م. ن: 5/ 207، والعدد المُشار إليه مأخوذٌ عن الديوان (ط. ل) ؛ فقد ظهرت القصيدة ناقصة في الطبعة العراقية.
(3) م. ن: 3/ 233.
(4) * يُقصد بالشعر القديم هنا الشعر العربي القديم الممتد من العصر الجاهلي حتى نهاية القرن الثامن الهجري، ولم يورد البحث إلاَّ النِّسَب التي توصل إليها سيد البحراوي لأنها خلاصةٌ لأعمال آخرين سبقوه في بيان تلك النسب من العصر الجاهلي حتى القرن الثالث، وهى نسب حافظ عليها الشعر العربي حتى نهاية القرن الثامن (ينظر: بنية الإيقاع في الخطاب الشعري: 45ـ46) .
(5) لو تلمّس الدارس تعليلًا لهجر الشاعر لهذه الأبحر وجد في كلام النقاد عنها تعلّة ذلك؛ فالمنسرح موصوف بالاضطراب والتقلقل (منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 268) ، وإيقاعه أقرب إلى النثرية (مدخل لدراسة الإيقاع في قصيدة الحرب: 26) ، وعند قراءة قصيدة منه"لا نكاد نشعر بانسجام موسيقاه، ويُخيّل إلينا أن الوزن مضطرب بعض الاضطراب" (موسيقى الشعر: 94ـ95) . والمقتضب بحرٌ نادرُ الورود في الشعر القديم؛ لذلك ذهب أنيس إلى أنه لا وجود له (م. ن: 140) ، ونقل عن الأخفش والزجاج إنكارهما له (م. ن: 54ـ55) ، ولم يحظَ في إحصاءات البحرواي بأية نسبة (العروض وإيقاع الشعر العربي ـ محاولة لإنتاج معرفة علمية: 56) ، ووصفه القرطاجني بأن الحلاوة فيه قليلة على طيش فيه (منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 268) . والمضارع بحر أضرب عنه القدماء فلم ينظموا عليه شيئًا ذا بال؛ لذلك لم يذكره أنيس في البحور التي درسها (موسيقى الشعر: 106 وما بعدها) ، وحكى عن الأخفش والزجاج إنكارهما له أيضًا (م. ن: 54ـ55) ، ولم يُدْرجه البحراوي في جدوله الذي أعده لإحصاء نسبة شيوع البحور (العروض وإيقاع الشعر العربي ـ محاولة لإنتاج معرفة علمية: 56) ، وقال عنه القرطاجني:"فأما الوزن الذي سموه المضارع،= =فما أرى شيئًا من الاختلاق على العرب أحق بالتكذيب والرد منه، لأن طِباع العرب كانت أفضلَ من أن يكون هذا البحر من نتاجها ... فإنه أسخف وزن سُمِعَ، فلا سبيل إلى قبوله ولا العمل عليه أصلًا" (منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 243) ، ثم قال:"فأما المضارع ففيه كل قبيحة، ولا ينبغي أن يُعدَّ من أوزان العرب، وإنّما وُضع قياسًا، وهو قياس فاسد لأنه من الوضع المتنافر" (م. ن: 268) ، وقال باحثٌ آخرُ:"أمّا المضارع ... فإنه مضطرب الوزن، متنافر الأجزاء" (الحذف في بحر الرمل: 162) . والمتدارك أيضًا بحر هجره القدماء إذ لا ترد له نسبة في جدول البحراوي (العروض وإيقاع الشعر العربي ـ محاولة لإنتاج معرفة علمية: 56، وينظر: شرح تحفة الخليل في العروض والقافية: 305) ؛ وذلك"لأنه وزن مضطرب، لا يمكن أن تنظمه قاعدة، ويغلب على ظن بعضهم أن الخليل لم يجهله، وإنما أهمله، فإذا صحَّ ذلك فهو لموضع الاضطراب فيه" (الإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة: 139) ، وعلّق عليه المجذوب بقوله:"الخببُ بحرٌ دنيءٌ للغاية، وكلُّه جَلَبَةٌ وضجيج ... وقد أهمله الخليل، وأظنه تعمّد ذلك ... ولا يصلح لشيء فيما نرى إلاّ للحركة الراقصة الجنونية، وقد استفاد منه الصوفية في بعض منظوماتهم التي تُنشد لتخلق نوعًا من الهستريا" (المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها: 1/ 83) ، ورأى حازم القرطاجني في تركيب هذا الوزن تنافرًا وثِقَلًا (منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 231) ثم شكَّكَ في وضع العرب له أساسًا (م. ن: 243) .