غير أن الكامل تحول عند الجواهري إلى المرتبة الأولى في الشيوع، فقد اتجه الشاعر إلى إيقاعه في (121) قصيدة ومقطوعة بنسبة إجمالية بلغت (27.56%) ، وكان عدد أبياته في كل ذلك (5565) بيتًا؛ أي بنسبة (27.1%) أما معدل طول القصائد المنظومة عليه فقد بلغ (52.1) ، وواضح أن الشاعر يخالف في ذلك النسبة القديمة لاستعمال هذا البحر.
ومِمَّا يؤكد ذلك أن معدل طول القصائد المنتمية إلى الإطار الإيقاعي لهذا البحر كانت في تصاعد مع تقدم الزمن، فبعد أن كان (30.22) في الجزء الأول ارتفع إلى (45.42) في الجزء الثاني، ثم ارتفع إلى (66.17) في الجزء الثالث ليبلغ ذروة ارتفاعه في الجزء الرابع إذ وصل إلى (74.05) ، وهذا مما يؤكد ميل الشاعر إلى انتهاج أسلوب خاص في انتقائه الأوزان يخالف به السائد في الشعر القديم، ذلك الميل الذي برز شيئًا ما في طريقة تعامله مع الطويل، ثم مع البسيط والوافر.
ثم إن طائفة من قصائد الجواهري الطِّوال المعدودة في الذُّرَى من شعره قد نُظمت في أجواء هذا البحر الإيقاعية، وذلك ما يدل على مكانة إيقاعه من نَفْسِ الشاعر من جهة، وتمكن الشاعر من إيقاعه وقدرته على تطويعه من جهة أخرى. ومن هذه القصائد (يوم الشهيد) و (هاشم الوتري) و (عبد الحميد كرامي) و (خلفت غاشية الخنوع) [1] .
ومن هذا البحر قوله [2] :
قَلْبِي لِكُرْدُسْتَانَ يُهْدَى وَالفَمُ ... وَلَقَدْ يَجُودُ بِأَصْغَرَيْهِ المُعْدِمُ
وَدَمِي وَإِنْ لَمْ تُبْقِ فِي جِسْمِي دَمًَا ... غَرْثَى جِرَاحٍ مِنْ دِمَائِيَ تَطْعَمُ
6ـ البحر الهزج:
من البحور النادرة في الشعر العربي [3] ، ولم تتجاوز نسبته (0.72%) ، وكان
القرطاجني قد وصفه بأن فيه مع سذاجته حدة زائدة [4] .
واللافت للنظر في إيقاع هذا البحر أنه يتداخل مع إيقاع مجزوء الوافر، مما يجعل الفصل بينهما ـ عند التطبيق ـ في غاية الصعوبة [5] ، ومعيار هذا الفصل عند أهل العروض هو أنه لو
(1) ينظر على التوالي: الديوان: 3/ 267 و391 و4/ 37 و215، وعدد أبيات هذه القصائد على الترتيب هو (193، 131، 144، 123) .
(2) الديوان ط. ل: 4/ 291.
(3) موسيقى الشعر: 191. وما بعدها.
(4) منهاج البلغاء وسراج الأدباء: 268.
(5) ولذلك لم يجعله هذا البحث بحرًا مستقلًا بنفسه في الجداول الإحصائية، عملًا بالرأي القائل: إنه"لا فرق في="
=الواقع بين الهزج ومجزوء الوافر، وإنهما وزن واحد لا وزنان" (الإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة: 83) ، وقد درسه بعض أصحاب الاختصاص في هذا الشأن إلى جانب مجزوء الوافر، ولم يجعلوه بحرًا قائمًا بنفسه (م. ن: 81، وموسيقى الشعر: 110) . ونبه كثير من الباحثين إلى التباس الوزنين الهزج ومجزوء الوافر ببعضهما (المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها: 1/ 112، وشرح تحفة الخليل في العروض والقافية: 151 و192، والشعر والنغم: 194، وفن التقطيع الشعري والقافية: 89 و118، وموسيقا الشعر وعلم العروض: 102) ."