الصفحة 26 من 213

لأَنْتُنَّ مِنْ واهِباتِ البيانِ ... جَمالًا، وَمِنْ مُحْيِياتِ اللُّغى

سَجَا اللَّيْلُ إلاّ حمامًا أَجدَّ ... هَدِيلًا و ترجيعَ كَلْبٍ عَوَى

وجُنْدُبةً طارَحَتْ جُنْدبًا ... وبُومًا زَقا و سحيلًا ثَغا

وَدِيكًا يُؤذِّنُ في جَمْعِهِم ... بِأَنْ قدْ مَضَى اللَّيْلُ إلاّ إِنَى

ومن شدة تحسُّسه لإيقاع الطبيعة يسمع للرياح همهمةً مُبينةً عمّا بها [1] ، ويحسُّ لنهر النيل جرسًا عذبًا [2] ، ويستلهم النغمَ الخفيَّ من جراح الشهيد [3] ، وقد يفتنه من المرأة حديثها المسجوع حرفًا فحرفًا [4] ، حتى ليخيّل إليه أن أحاديث العشاق الخافتة إنما هي همس النمل للطفها ولرقتها [5] .

وإذا أراد الجواهري أن يقدم رؤيته وفهمه للشعر، ركّز على الجانب الإيقاعي فيه، فهو هدهدةٌ للسمع، وهو لحن الحياة، بل إنه ليذهب إلى أكثر من ذلك، إلى أن الإيقاع في الشعر أهم وأقوى تأثيرًا من المضمون، كما كان مزمار داود ـ في رأيه ـ أقوى وأبلغ من شرعته ومنهاجه، يقول [6] :

يا دجلَةَ الخَيْرِ: إِنَّ الشِّعْرَ هَدْهَدَةٌ ... لِلسَّمْعِ ما بينَ ترخيمٍ و تنوين

عَفْوًا يُرَدَّدُ في رَفْهٍ و في عللٍ ... لَحْنُ الحياةِ رَخِيًّا غَيْرَ ملحُون

"مِزمارُ داودَ"أَقْوى مِنْ نُبُوّتِهِ ... فَحْوًى، وأَبْلَغُ مِنها في التَّضامِين

وهو يرى أن المعاني التي ينطوي عليها الشعر ـ مهما كانت ذات شأن ـ ستصبح ساقطة متهاوية إذا لم تُودَعْ في إطار لفظ منسجم متناغم الإيقاع [7] :

يَتَهاوى الفِكْرُ مُنْسجِمًا ... عَبْرَ حَرْفٍ غَيرِ مُنْسجِم

ويُكثر الشاعر ما شاء له الإكثار من الأوصاف الموسيقية لشعره، فحروف شعره"يمشي في طيِّها نغمُ" [8] ، وقوافيه أنغامٌ يتجلّى فيها لحنُ روحه [9] ، وهو إذ يقول الشعر إنّما ينفث سحرًا ويُلحّنه

(1) الديوان: 6/ 18.

(2) م. ن: 6/ 61.

(3) م. ن: 4/ 218.

(4) م. ن: 6/ 134.

(5) م. ن: 6/ 43.

(6) م. ن: 5/ 89.

(7) م. ن: 6/ 121. وتحسن الإشارة إلى أن الشاعر كان ينقح شعرَه إيقاعيًا ـ إن صح مثل هذا التعبير ـ فهو يعدل من صياغة نصوصه إذا أحسَّ نشوزًا في إيقاعها (الجواهري دراسة ووثائق: 285) .

(8) الديوان: 5/ 358، وينظر: 4/ 241، و5/ 259، و6/ 17.

(9) م. ن: 2/ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت