الصفحة 27 من 213

على أمواج البحر [1] ، فهو"صنّاجة الأدب" [2] ، وقد أرهفت سمعَه الأنغامُ منذ طفولته [3] ؛ لذلك فشفتاه لا تخلوان من نغم ولا طرب [4] ، ونياط قلبه أوتار لها نغم [5] ، ولِمَ لا يكونُ كذلك وهو وريث الموصلِيَّيْنِ وزرياب [6] ، فهو في بلده"الصادحُ الغردُ" [7] ، وإن شئت أبعد من ذلك فهو"أنشودة في كل قطر" [8] ، وإن شئت الزيادة فالدنيا بأسرها"تهفو لجرسه" [9] .

وإذا أُعجب الجواهري بشعر غيره كان إعجابه نابعًا من روعة الإيقاع في ذلك الشعر، وقد صرّح بذلك في مقدمة مختاراته من الشعر العربي باختلاف عصوره، إذ إنه يُعجب أكثر من أي شيءٍ آخر، بالقصيدة أو القطعة التي تشتمل على"رقة النغم" [10] ، وصفاء التعبير، وهو كثيرًا ما يتحدث في مقدمة الجمهرة عن الحرف المُنَغَّم [11] ، المُرَقَّق [12] ، المُمَوْسَق [13] ، وكان إذا مدح شاعرًا، أو شعر شاعر، لم يُخلِ مدحه من احتفاء بالإيقاع، وإشادة بالقيم الموسيقية في ذلك الشعر، فشعر المتنبي ـ مثلًا ـ ينساب فيه"نغمٌ طليقٌ تخطّى البُعدَ واخترقَ الأوانا" [14] ، وبشارة الخوري معدودٌ في الشعراء المجيدين لأنه"صناجة الكلم، ومزهر النغم، ومُذوِّب الأنغام" [15] ، وقصائد أحمد شوقي"يُطربُ إيقاعُهُنَّ السَّمَر" [16] .

تلك نبذة أُريد بها بيان أهمية الإيقاع عند الجواهري من الوجهة النظرية، وسيُعهد إلى المباحث التطبيقية مهمة استجلاء المناحي الإيقاعية في شعره وهي قيدَ التحقُّق والظهور في نسيج النص.

(1) الديوان: 7/ 44.

(2) م. ن: 5/ 95.

(3) م. ن: 6/ 138.

(4) م. ن: 6/ 17.

(5) الديوان ط. ل: 5/ 333.

(6) الديوان: 6/ 16، والموصليّان هما إسحاق الموصلي وابنه إبراهيم، من أشهر المغنين في العصر العباسي، وكذلك زرياب.

(7) م. ن: 5/ 349.

(8) م. ن: 7/ 49.

(9) م. ن: 3/ 203.

(10) الجمهرة مختارات من الشعر العربي: 1/ 12.

(11) م. ن: 1/ 5 و24 و30.

(12) م. ن: 1/ 30.

(13) م. ن: 1/ 31.

(14) الديوان: 7/ 102.

(15) م. ن: 5/ 49 و51.

(16) م. ن: 2/ 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت