وقد يشبه الشاعر قصائده بسجع الحمام تبيانًا لما تشتمل عليه من إيقاع جميل [1] :
أَشْدُو كَشَدْوِ السَّاجِعاتِ قَصَائِدِي ... وَكَمَا تُنَغِّمُ في الحنينِ أُنَغِّمُ
إن الجواهري الذي يهوى النغم بفطرته [2] ، يتسمّع إلى الطبيعة ويقبس من أصواتها ألحانًا يزين بها شعره [3] ، وهو ـ بفعل حسّه الموسيقي المرهف ـ يتذوق أصوات الطبيعة تذوقًا إيقاعيًا، حتى ذلك النوع من الأصوات التي يراها الآخرون ناشزًا ممجوجًا، فهو يطرب لنقيق الضفادع، ونباح الكلاب، وصرير الجنادب، وغير ذلك ممّا ذكره في قوله [4] :
سلامٌ على جاعلاتِ النقيقِ ... على الشاطئينِ بريدَ الهَوَى
(1) الديوان ط. ل: 4/ 294.
(2) الديوان: 5/ 177.
(3) م. ن: 5/ 171.
(4) م. ن: 3/ 217ـ219. ومن هذا النوع من إحساس الشاعر بإيقاع الطبيعة قوله (م. ن: 4/ 115ـ116) :
عَوَتْ جِرَاءٌ مَشُوقاتٌ فَطَارَحَهَا ... ثَغْيٌ مِنَ الشَّاءِ أَوْ ثَأْيٌ مِنَ البَقَر
وَ نَقْنَقاتُ"بَنَاتِ المَاءِ"خَالَطَهَا ... صَرُّ الجَنَادِبِ لَمْ تَكْفُفْ عَنِ الهَذَر
وَخَفْقَةٌ لِشِرَاعٍ فِي مَخَارِقِهِ ... مَلاعِبٌ لِلصَّبَا وَالشَمْأَلِ العَطِر
كَأَنَّ سَاحِرَةً مَرَّتْ بِإِصْبَعِهَا ... عَلَى شَتِيتٍ مِنَ الأَلْوَانِ وَالصُّوَر
وَلاَءَمَتْ نَافِرُ الأَنْغَامِ نَاشِزَهَا ... وَوَقَّعَتْهَا بِلا عُودٍ وَلاَ وَتَر
وقوله (م. ن: 4/ 205ـ206) :
رُدِّي بِما وُهِبَتْهُ الشَّاءُ من وَتَرٍ ... إذا ثَغَا رَدّدَتْهُ الرُّوحُ تَلْحِينا
ونَبْحةٍ من"كُليبٍ"خِلْتُ نبرَتها ... مِنْ زُخرُفِ القولِ تَحْرِيكًا وَتَسْكِينا
وخُطْبةٍ تُسْمِعُ الرهطَيْنِ مُلْفِيَةً ... في الذِّئْبِ وَالحَمَلِ المَرعُوبِ مُصْغِينا
عَوَى هَزيعًا فردّتْ عنهُ ثاغِيَةٌ ... كانَتْ تقولُ لهُ:"آمِينَ".. آمِيناَ
وقوله (م. ن: 5/ 317) :
لِلآنَ يُطرِبُ سَمْعِي في شَوَاطِئِهِ ... صَدْحُ الحمامِ، وثَغْيُ الشَّاءِ والبَقَر
وقوله (م. ن: 5/ 106) :
وضَجَّةٌ مِنْ عصافِيرٍ بِها فَزَعٌ ... على أَكِنَّتِها بينَ الأَفانين
وَمَنْطِقٌ ليسَ بالفُصْحى فتفهمهُ ... يومًا، وما هُوَ مِنْ حِسٍّ بِمَلْحُون
وينظر في هذا المعنى: الديوان: 1/ 190 و241 و2/ 178 و190 و241 و3/ 127 و153 و5/ 64ـ65 و104 و106 و125 و128 و149.