وقد أعلن ذلك صراحةً وسجله ببيان واضح، فمِمّا يدل على ولعه الكبير بالإيقاع وحرصه المتزايد على أن يكون شعره ذا فضائل إيقاعية أكثر من أي شيء آخر، قوله [1] :
أُعِيذُ القَوَافِي زَاهِياتِ المَطَالِعِ ... مَزَامِيرَ عَزَّافٍ أَغَارِيدَ سَاجِع
لِطافًا بِأَفْوَاهِ الرُّواةِ نَوافِذًا ... إِلَى القَلْبِ يَجْرِي سِحْرُها فِي المسامِع
وهو ـ في نصوص أخرى ـ يشير إلى إحكام صنعته الإيقاعية وتمكُّنه منها، يقول [2] :
وهَلْ لَكَ وَالدُّنْيا تُغَنِّي بِمَوْلِدٍ ... لِـ"تَمُّوزَ"إِلاّ أَنْ تُغَنِّي فَتُطْرِبا
وهَلْ لَكَ عُذْرٌ وَالقَوَافي تُحيلُها ... مَتى شِئتَ"قِيْثَارًا"وَ"نَايًَا"مُشَبِّبا
والشاعر يتباهى بامتلاكه زمام أدوات الإيقاع حتى إنها تنقاد له مطيعة كيفما شاء [3] :
أنا لِي مِنْ طَبِيعَتي قِيثارُ ... بالَّذِي شِئْتُ تَنْطِقُ الأَوْتارُ
وإذا أراد الشاعر أن يتحدث عن جمال الإيقاع في شعره كانت صورة الآلات الموسيقية حاضرة في مخيلته، فمن ذلك صورة العود، يقول [4] :
يا نَازِحَ الدَّارِ نَاغِ العُودَ ثانِيَةً ... وَجُسَّ أوتارَهُ بالرِّفْقِ و اللِّين
وصورة القيثار أيضًا تجد طريقها إلى شعر الجواهري مجسّدة الجانب الإيقاعي فيه [5] :
ناغَيْتُ"لُبنانًا"وهلْ أبقى الهَوَى ... بُقيًى على قِيثارتي لِتَقُولا
طارحْتُهُ النَّغَمَاتِ في أعيادِهِ ... بِأَرَقَّ مِنْ سَجْعِ الحَمامِ هَديلا
ومسحْتُ دمْعَ الحُزْنِ في أتراحِهِ ... وَجعلتُ مَحْضَ عواطفي مِندِيلا
ويقول [6] :
وَغَنَّاكَ قِيثَارِي فلم تُلْفَ نَغْمَتي ... نَشَازًا و لا لَحْني عَلَيْكَ بواغِل
ولم ينسَ الشاعر أن يستعير لشعره صفة الناي [7] :
لا أُريدُ"النّايَ"إِنِّي ... حَامِلٌ في الصدرِ نَايا
(1) الديوان: 3/ 22.
(2) م. ن: 7/ 123.
(3) م. ن: 5/ 137.
(4) م. ن: 5/ 104، ونازح الدار هو الشاعر نفسه. وينظر: 5/ 73، و7/ 225.
(5) م. ن: 3/ 241، وينظر: 4/ 42.
(6) م. ن: 7/ 95، وينظر: 5/ 265.
(7) م. ن: 1/ 241.