الصفحة 23 من 213

الشعر فن زماني يُعنى بجوهر الحركة وتيارها، يتطلّب حاسة عالية في إدراك الصوت والإيقاع، ويتطلب إصغاءً لا تنشغل فيه الأذن وحدَها، بل الروح بالدرجة الأولى" [1] ، وذلك أمرٌ لا طاقة لعلم العروض وحده به، إذ تنتهي مهمته عند القوالب العامة، ويغدو البحث عن درجات التفرُّد والخصوصية للبنية الإيقاعية في الشعر مهمة داخلة في مهام النقد [2] ."

ولعله من الضروري ـ بعد هذا الاستعراض لمفهوم الإيقاع وأهميته ـ أن تُحدَّدَ زاوية الرؤية التي سينظر من خلالها البحث إلى مادته، ويحصرُ في إطارها عملَهُ.

لقد تبيّن أن الإيقاع هو نظام ذو تشابه عام يحمل في طيّاته اختلافات جزئية توطِّد خاصية الانسجام فيه، وهو تكرارٌ أو تناوبٌ أو تجاوبٌ للظواهر الصوتية أو أجزاء منها على مسافات زمنية دورية، وتكون هذه المسافات متساوية أو متناسبة لخلق الانسجام، أو لا تكون كذلك للخروج من الرتابة، ولا بُدَّ للظواهر الصوتية المكونة له أن تنطوي على عناصر متمايزة تلافيًا للوقوع في نمطية تسْلُبه بريقَه وتوهُّجه وتُحيله إلى مجرد تردد آلي، والإيقاع قبلَ أن يكون شيئًا محسوسًا على شكل موجات صوتية تصوُّرٌ ذهنيٌّ يعتمد على التوقُّع أو استباق ما سيحدث، سواءٌ أحدثت اللذةُ بتحقُّقِ المتوقَّع، أم حصلت المفاجأة بخيبة الظن في ذلك.

والإيقاع، بالمفهوم السابق، يعتمد على التكرار اعتمادًا كبيرًا، فهو القانون الرئيس المحقِّق له، والمجسِّد لتجلِّيه.

والإيقاع أهم مزايا الفن الشعري، وأكبر وجوه التمايز بينه وبين فنون الكتابة الأخرى المنضوية تحت سقف الإبداع، ولعلَّ أوضح صور أهميته في نسيج النص الشعري أنه يُخضع مستويات النص الأخرى لسلطته، ويستبِدُّ بها مُكيِّفًا إيّاها لمقتضياته.

لقد أدرك الجواهري إدراكًا واعيًا خطورة الإيقاع وقدرته المباشرة على السُّمُوِّ بفن الشعر إلى أرفع الذُّرى، فاهتمَّ به اهتمامًا بالغًا فيما ينظم من شعر لنفسه، وفيما يُعجب به من شعر لآخرين،

(1) الفضائل الموسيقية: 58.

(2) في النقد اللساني: 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت