الصفحة 169 من 213

نلاحظ في هذا المثال والمثال الذي مرّ قبله أن البيتين المُقطَّعين يمكن أن يُقرءا في ضوء إمكانيتين للتقطيع، الأولى تقطيع مفرد لكل مفردة أو مفردتين مع تفعيلة واحدة كالآتي: (تستل من/ أظفارهم/ وتحط من/ أقدارهم) ، و (الشعر في/ تأثيره/ والغيث في/ آثاره) ، والثانية تقطيع مزدوج لكل تفعيلتين مع تركيب واحد من تراكيب البيت، ولعل الحالة الثانية أن تكون أقرب إلى طبيعة القراءة الإنشادية المقبولة؛ نظرًا لأنها تُشكِّل وقفاتٍ في مواطنَ تتصالح فيها الوقفة الدلالية مع الوقفة العروضية، فكل بيت من البيتين المُقطّعين يتكوّن من ثلاث وحدات دلالية يشكل كلٌّ منها وحدة إيقاعية بارزة الحدود واضحة المعالم.

وكثيرًا ما يعتمد إيقاع الموازنة التقطيعية لدى الجواهري على التقطيع المنفرد للوحدات العروضية (التفعيلات) ؛ أي إن كلمات الشطر أو البيت تنتهي بنهاية التفعيلة الواحدة فتتطابق هذه الأخيرة مع كلمة أو أكثر من كلمة، وهذا"التطابق يعمل على بروز النغم" [1] ، ووضوح إيقاع البحر العروضي، ويجد المرء في أشعار الجواهري أمثلة كثيرة في أكثر من وزن، فمن البحر الخفيف مثلًا هذا البيت [2] :

ثُمَّ كَانَتْ / دُعَابَةٌ / فَمُجُونٌ ... فَارْتِخَاءٌ / فَلَذَّةٌ / فَانْغِمَاسَهْ

ومن بحر المتقارب قوله [3] :

فَهَذَا / سَيَمْضِي / وَهَذَا / مَضَى ... وَهَذَا / سَيَأْتِي / وَهَذَا / أَتَى

ومن الكامل قوله [4] :

نَاشَدْتُكُمْ / بِوَشَائِجٍ / مِنْ فِكْرَةٍ ... وَعَقِيدَةٍ / وَرِسَالَةٍ / وَمُصَاب

ومن البحر الوافر قوله [5] :

وَتَفْجَؤُنِي/ طُيُوفُهُمُ / كَأَنِّي ... إِلَيْهِمْ مِنْ / جَدِيدٍ قَدْ / حُمِلْتُ

فإذا علمنا أن هنالك في الأصل العروضي للبيت وقفاتٍ قصيرةً جدًّا يُحاول مُنْشِد الشعر أنَ يتوقّف عندها إنْ هو أراد أنْ يُحدّد معالم الوزن [6] ، فإن هذه الأبيات تُهيِّئ له فُسحة مناسبة باتحاد حدود الكلمات مع حدود التفعيلات، وتُهيِّئُ له ـ من ثَمَّ ـ جوًّا مناسبًا للترنُّم والتطريب وإظهار

(1) نظرة جديدة في موسيقى الشعر العربي: 220، وينظر: 224 و225.

(2) الديوان: 1/ 482، وينظر: 2/ 101 و108.

(3) م. ن: 3/ 209، وينظر: 3/ 212.

(4) م. ن: 4/ 342، وينظر: 2/ 177 و333 و3/ 44 و269 و310 و4/ 74.

(5) م. ن: 6/ 101، وينظر: 1/ 379 و3/ 107 و173 و5/ 237 و285 و6/ 209.

(6) أوزان الألحان بلغة العروض: 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت