فالشطر الأول من هذا البيت يتألف من تركيبين متوازنين عروضيًا، وزن كُلٍّ منهما هو (مستفعلن فاعلن) .
أمّا البحر الثالث المُكوّن من ثمانية أجزاء فهو المتقارب الذي تتكرر فيه تفعيلة (فعولن) في كلّ مصراع أربع مرّات، وفي البيت الآتي قطّع الشاعر صدْرَ البيت إلى قسيمين، كُلٌّ منهما يتساوى في الوزن مع تفعيلتين من تفعيلات البحر (فعولن فعولن) :
بِبَرْدِ النَّمِيرِ / وَصَفْوِ الغَدِيرِ ... يَمُرَّانِ بِالعَاطِشِ السَّاخِن
وإذا كانت هذه الأمثلة تُخضع شطرًا واحدًا من البيت للموازنة المبنية على تقطيع عروضي، فإن الشاعر ـ في أمثلة أخرى ـ يُحكِم إيقاع هذا النوع من الموازنة أكثر عبر تقسيم البيت إلى أربع وحدات إيقاعية يستقل كُلٌّ منها بوزن تفعيلتين من تفعيلات البحر الشعري [1] .
وإن كان الوزن الشعري متألفًا من ست تفعيلات، كالبحر الكامل مثلًا، فإن الموازنة التقطيعية التي تتّخذ من كل تفعيليتن وحدةً إيقاعيةً لا تنحصر في شطر واحد؛ ذلك أن هذا الضرب من التقطيع يستلزم أربع تفعيلات كحدٍّ أدنى، وشطر الكامل إنّما يتألف من ثلاث تفعيلات، فلا بُدّ للموازنة أن تجتاز حدود الشطر الواحد إلى التفعيلة الرابعة الواقعة في الشطر الآخَر، كقول الشاعر [2] :
كَذَبُوا فَمِلْءُ فَمِ الزَّمَانِ قَصَائِدِي ... أَبَدًَا تَجُوبُ مَشَارِقًَا وَ مَغَارِبَا
تَسْتَلُّ مِنْ أَظْفَارِهِمْ / وَتَحُطُّ مِنْ ... أَقْدَارِهِمْ / وَتَثُلُّ مَجْدًَا كَاذِبَا
فالموازنة، وهي في البيت الثاني من هذا النص، تقوم على تجزئة البيت إلى ثلاث وحدات إيقاعية كُلٌّ منها على وزن (متفاعلن متفاعلن) ، وهي في الوحدتين الأوليين أكثر وضوحًا؛ لأنهما يحتضنان تركيبين متوازيين نحويًا، ومُتّفقين في السجع اللاحق بنهايتيهما.
وفي نصوص أخرى يأتي إيقاع الموازنة التقطيعية بصورة أوضح؛ لكون الوحدات الإيقاعية كلها متشابهة في تركيبها النحوي، إذ يغدو النص جامعًا لنمطين من أنماط الموازنات الصوتية، الموازنة النابعة من الاتفاق في الوزن العروضي، والموازنة الناشئة من التشابه في النسق التركيبي، ومثال هذه الحالة قول الجواهري [3] :
وَأَجَلُّ مَا خَلَقَ الإِلَهُ لِخَلْقِهِ ... وَحِسَابُ فَضْلِ اللهِ غَيْرُ مُطَاق
الشِّعْرُ فِي تَأْثِيرِهِ / وَ الغَيْثُ فِي ... آثَارِهِ / وَالشَّمْسُ فِي الإِشْرَاق
(1) ينظر: الديوان: 2/ 119 و132 و237 و259 و4/ 118 و121 و199 و5/ 315.
(2) م. ن: 3/ 401.
(3) م. ن: 1/ 304، وينظر: 3/ 274.