فالتطريز في هذين البيتين كائنٌ في مفرداتهما كُلِّها، حتّى كأنّ البيت الثاني صورة سمعية مطابقة للصورة السمعية للبيت الأول، وقد آزر إيقاعَ التطريز ورودُ بعض المفردات على سجع واحد، كما هي الحال مع الكلمات (نامي، فقد، أنهى، الشعب) التي جاءت مُتّفقة مع الكلمات (نامي، فقد، غنّى، الحرب) في الوزن، ومتماثلة في السجع، ومتناظرة في الموقع، ولم تختلف إلاّ الكلمتان (مجيع، أيام) مع الكلمتين (إله، ألحان) في السجع دون الوزن. وقد حاول الشاعر في مثال آخر أن يرتفع بإيقاع التطريز إلى درجة أعلى من خلال الإتيان بالألفاظ المتوازنات مسجوعةً جميعًا، فخرج علينا بهذين البيتين [1] :
الخَالِدَاتُ الشَّامِخَا ... تُ ... وَكُلُّ ... شَامِخَةٍ ... فُضُولُ
وَالحَاكِمَاتُ العَادِلا ... تُ ... وَكُلُّ ... حَاكِمَةٍ ... تَدُولُ
وثمّةَ في شعر الجواهري ضربٌ آخرُ من الموازنات الصوتية يقوم على الخاصية الإيقاعية للوزن بما يتألف منه من وحدات إيقاعية أصغر (التفعيلات) ، وفي هذا النوع من الموازنة التي يدعوها الدارسون بـ (التقطيع) [2] ، تنزع البنية التركيبية إلى أن تتوافق مع البنية العروضية وتتراكب معها؛ أي إن بعض التراكيب أو بعض الألفاظ تأتي على وزن تفعيلتين أو تفعيلة واحدة، وتستقر في الموضع نفسه الذي تستقر فيه التفعيلة من بنية الوزن المجردة، ففي قول الجواهري مثلًا [3] :
مَضَوا أَهْلُهُ عَنْهُ وَخُلِّفَ مُوحِشًَا ... مُعَاصِرَ أَجْيَالٍ / مُتَرْجِمَ أَحْوَال
تطابق التركيبان (معاصر أجيال) و (مترجم أحوال) مع البنية العروضية، إذ جاء كُلٌّ منهما على مقاس تفعيلتين من تفعيلات البحر الطويل (فعولن مفاعيلن) .
وبَدِيهٌ ألاَّ يتوفّر هذا النوع من التقطيع القائم على جَعْلِ شطر البيت قسمين مُتكافئَينِ من حيث وزنهما العروضي وذلك بأن يقع كل تركيب على وزن تفعيلتين، بديهٌ ألاّ يتوفّر ذلك إلاّ في الأوزان ذوات التفعيلات الثمانية، وهي الطويل الذي مرَّ شاهدُه قبل قليل وأُحيل على نظائره في الديوان، والبسيط الذي يتركّب من تكرار (مستفعلن فاعلن) أربع مرّات، ومثال ما وقع فيه من الموازنة التقطيعية قولُ الشاعر [4] :
قَرَّتْ شَوَاطِئُهَا / وَاهْتَزَّ وَاسِطُهَا ... نَظِيرَ لَوْحَيْنِ مَسْبُوكٍ وَمُنْكَسِر
(1) الديوان: 4/ 105.
(2) العمدة: 2/ 25، والموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية: 15.
(3) الديوان: 1/ 211، وينظر: 1/ 197 و365 و2/ 79 و88 و218 و237 و293 و357 و359 و3/ 59 و7/ 127.
(4) م. ن: 4/ 117، وينظر: 2/ 122 و204 و338 و3/ 292 و4/ 118 و121 و199 و5/ 315.