مَوَاطِرَ الغَيْثِ حَيِّي جَانِبَ الوَادِي ... وَهَدِّدِيهِ ... بِإِبْرَاقٍ وَ إِرْعَاد
مُدِّي بِهِ بُسُطَ الأَعْشَابِ زَاهِرَةٍ ... وَطَرِّزِيهَا بِأَزْهَارٍ وَ أَورَاد
لا يخفى أن الألفاظ المتوازنة في الشطرين تتوازى على المستوى العمودي مشكلة ما يُشبه الخطوط العمودية التي تُزيّن بها الثياب، فالقيمة الإيقاعية السمعية للتوازن معزّزة بالشكل البصري الناجم عن كتابة ألفاظ الشطرين بطريقة متعامدة، وهي كتابة تُتيحها الطبيعة الإيقاعية لظاهرة التطريز.
وفي شعر الشاعر أمثلة أخرى تزيد على الموازنة العمودية بين الأبيات السَّجْعَ في بعض مفرداتها أو في كُلِّها، فمِنَ الذي جاء فيه السجع في بعض المفردات قوله [1] :
إِنَّ هَذَا العُمْرَ يُخْتَرَقُ ... كَاخْتِرَاقِ الثَّوْبِ ... بِالإِبَر
وَهْوَ بِالأَوْهَامِ يُسْتَرَقُ ... كَاسْتِرَاقِ الغَيْمِ ... لِلْمَطَر
ومِمّا جاء فيه السجع في المفردات جميعًا قوله [2] :
وَكَأَنَّ الحُجُومَ ضُوعِفْنَ أَلْفًَا ... مِنْ مَقَايِيسِهَا وَصُغِّرْنَ ... أَلْفَا
كُتَلٌ تَنْبِضُ الحَيَاةُ لِمَامًَا ... فِي تَضَارِيسِهَا وَ يُحْسَبْنَ ... غُلْفَا
إن ظاهرة التطريز ذات القيمة الإيقاعية النابعة من طبيعتها التوازنية غير مقصورة على أعجاز الأبيات التي تتوفّر عليها، بل كثيرًا ما تُطالعنا في الصدور أيضًا، كما في البيتين الآتيين [3] :
مُسْتَأْجَرِينَ يُخَرِّبُونَ دَيَارَهُمْ ... وَيُكَافَئُونَ عَلَى الخَرَابِ رَوَاتِبَا
مُتَنَمِّرِينَ يُنَصِّبُونَ صُدُورَهُمْ ... مِثْلَ السِّبَاعِ ضَرَاوَةً وَ تَكَالُبَا
وقد تمتدُّ الظاهرة إلى أكثر من بيتين، فتظهر في ثلاثةٍ أو أربعةٍ من الأبيات المتعاقبة في حدود الشطر الواحد [4] ، كما أنها تمتدُّ أفقيًا لتغطي بيتين كاملين أو ثلاثة أبيات [5] ، ومثال هذه الحالة الأخيرة قول الشاعر [6] :
نَامِي فَقَدْ أَنهَى"مُجِيـ ... ـعُ الشَّعْبِ"أَيَّامَ الصِّيَام
نَامِي فَقَدْ غَنَّى"إِلـ ... ـهُ ... الحَرْبِ"أَلْحَانَ السَّلام
(1) الديوان: 5/ 117.
(2) م. ن: 6/ 129.
(3) م. ن: 3/ 398، وينظر: 3/ 87 و205 و323 و4/ 179 و304 و6/ 132.
(4) ينظر: م. ن: 3/ 174 و259 و4/ 134.
(5) ينظر: م. ن: 2/ 113 و328 و3/ 107 و410.
(6) م. ن: 4/ 74.