الصفحة 165 من 213

في الوزن وحرف الرويّ" [1] ."

ومن أمثلة الموازنة الترصيعية في شعر الجواهري قوله [2] :

قَدَحْتُ لَهَا وَرِيًَّا مِنْ زِنَادِي ... وَصُغْتُ لَهَا رَوِيًَّا مِنْ فُؤَادِي

فقد أقام الشاعر هذا البيت على ترصيع الشطرين، إذ جعل كل كلمة من كلمات الصدر بإزاء كلمة من تناظرها وزنًا وسجعًا من كلمات العجز، والحال نفسها تكررت في قوله [3] :

فَمَا نُصَابِحُ إِلاَّ مَنْ يُمَاسِينَا ... وَلا نُرَاوِحُ إِلاَّ مَنْ يُغَادِينَا

وقد يُدخل الشاعرُ الترصيعَ على مطالع بعض القصائد، إمعانًا منه في الاحتفاء بإيقاع المطالع التي تُمثِّل الضربة الأولى على قيثارة الشعر، من ذلك قوله [4] :

تَمَرَّسْتَ"بِالأُوْلَى"فَكُنْتَ المُغَامِرَا ... وَفَكَّرْتَ"بِالأُخْرَى"فَكُنْتَ المُجَاهِرَا

وقوله [5] :

تَهَضَّمَنِي قَدُّكِ الأَهْيَفُ ... وَأَلْهَبَنِي حُسْنُكِ المُتْرَفُ

ثم إن إيقاع الموازنات الصوتية قد يتعدّى تُخومَ البيت الواحد، فيظهر في شطرين أو أكثر من أبيات متعاقبة؛ أي إن الموازنة تظهر على المستوى العمودي، بعد أن كانت مُتجلِّيةً في المُستوى الأفقي في الأمثلة الفائتة، وهو ما يُسمّيه أرباب البلاغة ونَقَدَةُ الشِّعر (التطريز) ، ومعناه"أن يقع في أبيات متوالية من القصيدة كلمات متساوية في الوزن، فيكون التطريز فيها كالطِّراز في الثوب" [6] ، ومِمّا ورد فيه التوازن بين شطرين من بيتين، قول الجواهري [7] :

(1) البلاغة العربية في ثوبها الجديد: 3/ 129، وينظر: فنون بلاغية: 250ـ251، وجواهر البلاغة: 352. ولا بُدَّ من القول إن النقاد القدماء لم يُجمعوا على تحديد موحّد للترصيع، فبعضهم يوسِّع من دائرته ليُدخل في نطاقه صورًا كثيرة من صور الموازنات الصوتية (نقد الشعر: 80 وما بعدها) ، وبعضهم يتشدّد في وضع الحدود له، فيُخرج منه ما دخل فيه عند غيره (المثل السائر: 1/ 398) ، وقد أخذ هذا البحث بمفهوم ابن الأثير لانسجامه مع التدرج التصاعدي الذي رسمه لنفسه في متابعة إيقاع الموازنات الصوتية.

(2) الديوان: 3/ 321. وقد ظهر صدر البيت في كلتا الطبعتين هكذا (قدحت لها رويًا من زنادي) ، والصواب ما أُثبِتَ هنا، فقد جاء في (لسان العرب: 3/ 1871) :"إنَّهُ لَوَارِي الزَّنْدِ وَوَرِيُّهُ"، وجاء أيضًا (م. ن: 6/ 4822) :"ووري الزَّندُ يَرِي وَرْيًَا ووُرِيًَّا .. يُقالُ: إِنّه لَوارِي الزَّناد ووارِي الزَّنْد ووَرِيُّ الزَّنْد".

(3) الديوان: 4/ 203، وينظر: م. ن: 4/ 201 و239 و324.

(4) م. ن: 3/ 75. والبيت مطلع قصيدته (إلى الرصافي) .

(5) م. ن: 3/ 127. والبيت مطلع قصيدته (إليها) .

(6) كتاب الصناعتين: 425، وعلّق العسكري على هذا الفن بأنه"قليل في الشعر".

(7) الديوان: 1/ 297، وينظر: 2/ 91 و3/ 259 و4/ 39 و304 و5/ 288 و6/ 175 و209 و7/ 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت