الصفحة 164 من 213

التي ترد ضمنها إلى مستوى أرفع، ومن ذلك على سبيل المثال قول الشاعر [1] :

تَمَثَّلْتُ"يَوْمَكَ"فِي خَاطِرِي ... وَرَدَّدْتُ"صَوْتَكَ"فِي مَسْمَعِي

فقد جعل الشاعرُ قولَه (تمثّلتُ) بإزاء قوله (وردّدتُ) وزنًا وسجعًا، وكذلك الأمر فيما يخص (يومك) و (صوتك) . وفي مثال آخر ظهر السجع ضمن بيت متوازن في ثلاثة أزواج من مفرداته، وذلك هو قول الشاعر [2] :

مُدَّتْ لِرَفْعِ الأَفْضَلِينَ مَكَانَةً ... وَهَوَتْ لِصَفْعِ الأَعْدَلِينَ مَطَالِبَا

ومن اللافت للنظر أن الشاعر كثيرًا ما يأتي باللفظتين المسجوعتين الواقعتين في طرفي الموازنة في موقعين متميّزين من بنية الإيقاع الوزني، وهما العروض والضرب، فيجمع بذلك بين إيقاع الموازنة الصوتية الشاملة لشطري البيت، وإيقاع ظاهرة التصريع التي هي صورة خاصة من صور الموازنة، وهذه هي الحالة الرابعة من حالات التصريع في غير المطالع، وقد وقف عندها البحث آنفًا [3] ، ومن أمثلة هذه الحالة الأبيات الآتية [4] :

ـ ... أُهِينَتْ فَلَمْ تُنْتِجْ قَرِيحَةُ شَاعِرِ ... وَضِيمَتْ فَلَمْ تَنْشَطْ يَرَاعَةُ نَاثِر

ـ ... قَامَتْ عَلَى جِسْرٍ مِنَ الحَسَرَاتِ ... يُرْسَى عَلَى مَوْجٍ مِنَ العَبَرَات

ـ ... تَخَافُ النَّارُ مِنْ شَرَرِكْ ... وَتَنْبُو العَيْنُ عَنْ خَوَرِكْ

ـ ... فَمِنْ خَتْلٍ رُمِيتُ .. وَمَا خَتَلْتُ ... وَعَنْ جُبْنٍ خُذِلْتُ .. وَمَا خَذَلْتُ

ـ ... وَعَلَى العُيُونِ مِنَ الأَسَى رَهَجُ ... وَعَلَى الوُجُوهِ مِنَ الجَوَى وَهَجُ

هذه الأمثلة وغيرها [5] مِمّا يلتقي فيه إيقاع الموازنة بين الشطرين بإيقاع التصريع تكشف بوضوح عن مدى اهتمام الشاعر بإيقاع الموازنة، فكأن حِسّه الإيقاعي لا يكتفي بالفعل التوقيعي للتوازن الصوتي بين ألفاظ التركيبين؛ لذلك يسعى إلى تتويجه بإيقاع التصريع.

وفي نماذج أخرى يدفع الجواهري إيقاعَ الموازنات الصوتية إلى أقصى مَدَياتِها عن طريق تسجيع الألفاظ المتوازنة كُلِّها، مُحقِّقًا بذلك ما يُدْعى في البلاغة بـ (الترصيع) ، وفيه"يقسم الكاتب أو الشاعر عباراته إلى أقسام منفصلة، ثم يجعل كل لفظ منها في مقابل لفظٍ آخر، يتّفق وإيّاه"

(1) الديوان: 3/ 235، وينظر: 1/ 243 و3/ 262 و6/ 100.

(2) م. ن: 3/ 395، وينظر: 4/ 299.

(3) * راجع ص149.

(4) الديوان: 2/ 266 و4/ 348 و5/ 288 و6/ 100 و7/ 35 على الترتيب.

(5) ينظر: م. ن: 1/ 349 و2/ 80 و278 و3/ 58 و146 و330 و4/ 19 و79 و328 و338 و5/ 36 و66 و80 و172 و285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت