الصفحة 163 من 213

المسبق، وألقت ـ بسبب ذلك ـ عليه شيئًا من الغثاثة والبرود، وممّا جاءت فيه الموازنة في بيتين متتاليين قول الجواهري يذكر نفسه على سبيل التجريد [1] :

مَشَى وَخْطُ المَشِيبِ بِهِ كَأَنْ لَمْ ... يُرَجِّلْ دَاهِنًَا مِنْ لِمَّتَيْه

وَلَمْ يَتَخَطَّ أَهْلِيهَا إِلَيْهَا ... وَلَمْ تَتَخَطَّ أَهْلِيهِ إِلَيْه

وَلَمْ يُحْسَدْ لِحُظْوَتِهِ لَدَيْهَا ... وَلَمْ تُحْسَدْ لِحُظْوَتِهَا لَدَيْه

وَلَمْ تَنْضُبْ مَرَاشِفُهَا فَتَظْمَا ... لَفَرْطِ تَذَوُّبٍ فِي مَرْشِفَيْه

فشاهد الموازنة من هذا النص هو البيتان الثاني والثالث، وقد أُثبت ما قبلهما وما بعدهما ليتّضح للقارئ أن البيتين المتوازنين جاءا لأن السياق استدعاهما، فهما منسجمان في بيئتهما من النص، وتلك هي حال سائر النصوص التي على هذا المنوال. وممّا يليق بالمقام ذكرُه، أن الموازنة الإيقاعية المتجسَّدة في هيأة توازٍ نحويٍّ تُوفِّر درجة عالية من التوقع لدى المتلقي، فالذي يسمع البيت الأول الحامل للموازنة لا يخامره شك ـ بعد أن يسمع الشطر الأول من البيت الثاني ـ في أن العجز سيأتيه بالصورة التي هو عليها بالفعل.

وأحيانًا يجمع الشاعرُ الموازنةَ الصوتية بين نسقين نحويين إلى تسجيع بعض الفقرات الداخلية، توخّيًا لقَدْرٍ أعلى من التناغم الإيقاعي والتأثير الجمالي،"فإن الوزن إذا انضاف إلى السجع صار الكلامُ أوقعَ في القلب" [2] ، ومن ذلك قوله [3] :

يَا غَيْمَةَ الشَّعْرِ مُلْتَاثًَا عَلَى قَمَرٍ ... يَا بَسْمَةَ الثَّغْرِ مُفْتَرًَّا عَنِ النَّضَد

فهذا البيت ينطوي ـ إضافة إلى توازن مفردات الصدر مع مفردات العجز ـ على سجع داخلي بين مفردتي (الشعر) و (الثغر) المُتساويين في الوزن، والمتناظرين في الموقع العروضي، والمتشابهين في الرتبة النحوية.

وإذا كان المثال السابق وغيره من الأمثلة [4] تضيف إلى إيقاع الموازنة إيقاع السجع بين كلمتين، إحداها في الشطر الأول من البيت ـ وهو الشطر الأول من الموازنة في الوقت عينه ـ والأُخرى في الشطر الثاني، فإن في شعر الجواهري من الأمثلة ما يضيف إلى إيقاع الموازنة إيقاع السجع بين كلمات متعددة، وهي ظاهرة من شأنها أن ترتفع بالإيقاع المتحرك للنصوص

(1) الديوان: 4/ 277.

(2) إحياء علوم الدين: 2/ 252.

(3) الديوان: 3/ 49.

(4) ينظر: م. ن: 1/ 299 و2/ 34 و87 و95 و178 و219 و339 و3/ 237 و245 و273 و399 و4/ 93 و121 و182 و5/ 294 و298 و356 و363 و6/ 223 و7/ 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت