الصفحة 15 من 213

يُلحظ على هذا الاستعراض لآراء نفر من الباحثين حول مفهوم الإيقاع، أن هذه الكلمة"تتعرض لأنواع من التوسع في الاستعمال يجعل معناها يلتبس أحيانًا" [1] ، فلا بُدَّ ـ والحال هذه ـ من تلمُّس تعريفات تركن الإيقاع في زاوية رؤية واحدة محددة؛ وذلك لأن"التوسع في مفهوم الإيقاع قد يُسقط المصطلح أصلًا، لأنه يصبح عمليًا بلا حدود" [2] ، كما أن الميل إلى إقصاء المصطلح عن بُعده الصوتي الموسيقي"يُضعفه ويُفقده دلالته الحقيقية المؤسسة على المادة الصوتية الموظفة توظيفًا فنيًا قوامه الإعادة الدورية للوحدات الصوتية المتماثلة، أو المتناسقة التي تطّرد وتتتالى بكيفية مخصوصة من الانتظام" [3] .

(1) موسيقى الشعر العربي ـ مشروع دراسة علمية: 63 الهامش، وينظر: قضايا الشعرية: 43، وبنية الإيقاع في الخطاب الشعري:18.

(2) المكونات الصوتية للإيقاع وأنماطه في الشعر والنثر: 16.

(3) الإيقاع الشعري في النقد العربي القديم: 4. وقد ورد في تطبيقات بعض الدارسين كلام على الإيقاع بصرف النظر عن بعده الصوتي، كالإيقاع الخطي الذي يشتمل على التوازي البصري، وإيقاع البياض، (البنيات الدالة في شعر أمل دنقل: 35ـ43) ، والإيقاع الناجم عن التشكيل البصري (في جماليات البنية الإيقاعية لقصيدة التفعيلة: 35) ، وإيقاع السرد وإيقاع الحوار وإيقاع البياض وإيقاع الأفكار، (ينظر: القصيدة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية: 42ـ57) ، وذهب بعضهم إلى وجود مستوى إيقاعي يتصل بالبعد المكاني، وهو شكل النص الخارجي الملاحظ بالعين (البنى الإيقاعية في مجموعة محمود درويش: 46) ، ويقترح بعض الباحثين مصطلح"الإنشاد المكتوب"للدلالة على اعتماد القصيدة الحديثة ضمن ما تعتمد عليه في الإبلاغ على الرؤية البصرية (الإبداع الموازي ـ التحليل النصي للشعر: 70 و80) ، في حين يذهب باحث آخر إلى تبنّي مصطلح (الإيقاع الفضائي) مخصِّصًا إيّاه بقصيدة النثر ذات الإيقاع الغامض! (العروض وإيقاع الشعر العربي ـ محاولة لإنتاج معرفة علمية: 101) . وخلافًا لذلك ذهب بعض الدارسين إلى أن"الإيقاع لا يوجد في قصيدة شعرية مدوّنة ... والديوان الشعري لا يتضمن في صفحاته وبين سطوره الإيقاع المتوخّى في تأليف القصائد" (نظرية إيقاع الشعر العربي: 40) ، فالشعر العربي"لم يكن يُقرأ في صمت ولا يمكن أن يُقرأ في صمت كما لا يمكن أن يُغْنِيَ تقطيعه على صفحات الأوراق، فهذا التقطيع لا يُبصِّرنا بشيء من موسيقاه" (الشعر العربي غناؤه إنشاده وزنه: 7) ، وذهب آخر إلى"أن التدوين ... قد أَفْقَدَ الشعر شيئًا من جماله الموسيقي" (موسيقى الشعر: 164) ، ويُقرِّر أحدهم أن الذي يُقال"عن الشعر من نغمة ووزن متعلق بصورة (سماعه) وليس بصورة (كتابته) " (حول وزن الشعر: 78) ، وقال آخر مستغربًا من توجه بعض الباحثين في توسيع مفهوم الإيقاع:"وهكذا جاز عندهم الحديث عن (إيقاع الفكرة) ، بل جاز عندهم أيضًا ـ بما توهَّموه من تحرير مفهوم الإيقاع من هيمنة المادة الصوتية ـ الحديث عن إيقاع النقط ومحلاّت البياض" (في مفهوم الإيقاع: 16) ، وقال بعض النقاد مستنكرًا هذه النزعة التي ترى ضرورة قراءة الفراغ المحيط بالكلمات وتحميله معاني ودلالات:"ووضعت قاعدة إيهامية لضرورة قراءة الفراغ الذي يحيط بالكلمات، لا الكلمات ذاتها، حتى أصبحت الموهبة الشعرية لا تتألق بفعل صراعها مع الضوابط والقوانين، كما هي العادة مع الشعر الإنساني منذ وُجد، بل هي تعتمد أفقًا لا محدودًا من الفوضى والانفلات ... تحتمي بالمعنى الإيهامي للفراغ" (تهافت الستينيين: 86ـ87) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت