ولعل الجنوحَ إلى البعد الصوتي الموسيقي لمفهوم الإيقاع أقربُ إلى الدلالة الحقيقية للمصطلح، خصوصًا أن المصطلح في الأصل هو من ميراث الموسيقى [1] ، وهو يدلُّ ـ في حقله الموسيقي ـ على"تناسب الأصوات والأزمنة. فاللحن يتكون من درجات إيقاعية لكل واحد منها زمن معين، وهذه الأزمنة تضبط الأصوات وأجزاءها والسكوت الذي يمكن أن يتخللها" [2] ، وانطلاقًا من البعد الصوتي للإيقاع ركزت تصورات كثير من الدارسين على تحديده في الإطار الصوتي [3] ، فقال بعضهم:"الإيقاع ـ في ظننا ـ توافق صوتي بين مجموعة من الحركات، والسكنات، يؤدي وظيفة سمعية، ويؤثر فيمن يستجيب له ذوقيًا" [4] ، وعلى الرغم من أن هذا التعريف قد ضيّق واسعًا بحصر التوافق الصوتي في إطار الحركات والسكنات، فإن عنصر الصوت فيه هو المرتكز في التحديد، ومثله قول بعضهم:"الإيقاع هو وحدة النغمة الناتجة عن اتفاق الأصوات والتي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في بيت الشعر" [5] ، فقد ألحَّ هذا التعريف على الجانب الصوتي وإن كان قليل الحظ من الدقة، فما هي وحدة النغمة؟ وما المُراد باتفاق الأصوات؟ وقد عرف الإيقاع باحثٌ آخرُ بقوله:"فالإيقاع ما هو إلاّ أصوات مكررة، وهذه الأصوات المكررة تثير في النفس انفعالًا ما" [6] ، فالتركيز على المادة الصوتية واضحٌ في هذا التحديد، إلاّ أن الذي ليس بواضح هو مفهوم الأصوات، أهي الحروف بوصفها أصواتًا؟ أم الحركات والسكنات؟ أم المقاطع بمختلف أنواعها؟ ثم إن حصر الإيقاع في أصوات مكررة فيه شيءٌ من التضييق؛ لأن التكرار ـ وإن يكن قانونًا رئيسًا من قوانين الإيقاع ومبدأً لنظامه وأحد أعمدته الأكثر بروزًا [7] ـ ليس العنصر الوحيد المكوِّن له [8] ، ولعلّ تعريف محمد مندور أقرب إلى الدقة إذ يقول:"الإيقاع ... عبارة عن رجوع ظاهرة صوتية ما على مسافات"
(1) في مفهوم الإيقاع: 11 و12 و13، والعروض وإيقاع الشعر العربي ـ محاولة لإنتاج معرفة علمية: 109، وبنية الإيقاع في الخطاب الشعري: 6، والزحاف والعلة ـ رؤية في التجريد والأصوات والإيقاع: 149.
(2) تاريخ الموسيقى العربية: 111.
(3) يجزم محمد الهادي الطرابلسي بأن الإيقاع"وقفٌ على المادة الصوتية لا يتعدَّاها" (في مفهوم الإيقاع: 12، وينظر: 18)
(4) مدخل لدراسة الإيقاع في قصيدة الحرب: 23.
(5) مدخل إلى تحليل النص الأدبي: 76.
(6) التكرار في الشعر الجاهلي ـ دراسة أسلوبية: 161.
(7) البنى الإيقاعية في مجموعة محمود درويش: 64، والشعرية ـ قراءة في تجربة ابن المعتز العباسي: 127.
(8) يرى بعض الباحثين أن الإيقاع هو الصورة المجردة من قوانين سبعة هي: 1ـ النظام، 2ـ التغير، 3ـ التساوي، 4ـ التوازي، 5ـ التوازن، 6ـ التلازم، 7ـ التكرار. فالإيقاع هو الصورة المجردة من هذه القوانين. ينظر: الأسس الجمالية في النقد العربي: 120ـ121.