النظام، وهذا المفهوم الواسع الفضفاض للإيقاع يستوعب مادة الفنون جميعًا فهو وجه من وجوه النظام والوحدة [1] ، وقد تبنّى هذا الفهم آخرون فذهبوا إلى"أن الإيقاع مظهر عام للانسجام والتوافق يتجسد في كافة مظاهر الحياة والفنون: في الطبيعة والأدب والرسم والعمارة" [2] ، وهو ما قال به رينيه ويليك وأوستن وارين فقد ذهبا إلى وجود"إيقاع للطبيعة وآخر للعمل، وإيقاع للإشارات الضوئية ... وأن هناك بالمعنى المجازي إيقاعات للفنون التشكيلية" [3] .
وعند متابعة الآراء المحددة لمصطلح الإيقاع في حقل الخطاب الشعري، يتبين للدارس أنها آراء متباينة، إن لم تكن متضاربة، فقد ظهرت آراء ترى أن الإيقاع لا يكمن إلاّ في الأصوات دون المعاني، بينما توسعت آراء أخرى في مفهومه لترقى به إلى مستوى أشمل من الإيقاع المتجسد في المادة الصوتية [4] ، ومن أصحاب هذا المنحى من قال بأن"الإيقاع لا يقتصر على الصوت، إنه النظام الذي يتوالى أو يتناوب بموجبه مؤثرٌ ما (صوتي أو شكلي) أو جوٌّ ما (حسّي، فكري، سحري، روحي) وهو كذلك صيغة للعلاقات (التناغم، التعارض، التوازي، التداخل) فهو إذن نظام أمواج صوتية ومعنوية وشكلية، ذلك أن للصورة إيقاعًا" [5] ، وقريبٌ من هذا قول بعض الباحثين:"وقد يتمثل الإيقاع في مظاهر بنائية ودلالية وتركيبية وثيمية وبصرية لا علاقة لها بالبنية الصوتيةـ منها ما يُسمّى بـ (إيقاع الفكرة) " [6] ، فالإيقاع من زاوية الرؤية هذه"يشكل كل عناصر الفن الشعري من أسلوب تركيبي وخيال تصويري وصوتي ودلالي، إذ تقوم بين هذه الجوانب علاقات متواشجة تربط الدال بالمدلول والشكل بالمضمون وفق نظام إيقاعي خاص" [7] ، وخلاصة هذه الآراء هي"أن الإيقاع يُساهم (كذا) في نظامه الصوت"
(1) تمهيد في النقد الحديث: 108.
(2) الصوت الآخر الجوهر الحواري للخطاب الأدبي: 288، وينظر: الأسس الجمالية في النقد العربي: 115، والبنى الإيقاعية في مجموعة محمود درويش حصار لمدائح البحر: 43.
(3) نظرية الأدب: 212، وينظر: مبادئ النقد الأدبي: 192.
(4) الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي: 24.
(5) حركية الإبداع: 111. ويذهب محمد العياشي إلى أن أهم مواطن الإيقاع في الفن هي الشعر والموسيقى والرقص، مع أنه ليس وقفًا على هذه الفنون الثلاثة. (نظرية إيقاع الشعر العربي: 40) ، ولم يَحِدْ محمد بنّيس عن ذلك إذ قال إن الإيقاع"هو المشترك بين الشعر والموسيقى والرقص" (الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها: 1/ 119) ، وهو ما قال به محمد النويهي أيضًا (قضية الشعر الجديد: 37) ، وعبد الملك مرتاض (مقامات السيوطي ـ دراسة: 146) ، ويجعل سيدُ البحراوي الإيقاعَ البداية التي أُسِّستْ عليها الفنون الثلاثة الرقص والموسيقى والشعر (موسيقى الشعر عند شعراء أبوللو: 11) .
(6) الصوت الآخر: 290، وينظر: تحليل الخطاب الشعري ـ البنية الصوتية في الشعر: 11 الهامش.
(7) الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي: 10.