من المفيد أن يحدد إطار المصطلح الذي يدور البحث في فلكه، وفي ضوء ذلك تحدد المادة التي تدخل في صلب البحث؛ ولذلك سيسعى التمهيد إلى التعريف بمصطلح الإيقاع، وبيان أهميته في الخطاب الشعري.
الإيقاع لغة مأخوذ من الجذر الثلاثي (و. ق. ع) ، والوقْعُ: وَقْعةُ الضَّربِ بالشيءِ [1] ، ومنه وقعُ المطر، ووقْعُ حوافر الدابة، وهو الصوت الذي يُسمع منهما [2] ، وإذا زيد الجذر الثلاثي بالتاء والياء فصار (توقيعًا) انصرف معناه إلى وقوع الشيء على الشيء عن قَصْدٍ وإرادة، ومنه إقبال الصَّيْقَلِ على السيف بميقعته [3] ، ولا يَخفى ما يصاحب ذلك من انبعاث للصوت، والإيقاع: من إيقاع اللَّحْنِ والغناء وهو أن يُوقِّعَ الألحانَ ويُبَيِّنها [4] ، وقد ذكر صاحب التاج زيادة على ذلك و (يَبْنِيها) من البناء [5] ، فكأن المعنى الأول المأخوذ من التبيين يتضمن الإشارة إلى دور المتلقي، والمعنى الثاني المأخوذ من البناء ينظر إلى المُنشئ أو المُبدع، فالإيقاع متعلق بكليهما.
غير أن الإيقاع، في معناه الاصطلاحي، لا يُسلس القيادَ للدراسة التي تصبو إلى تحديده وتعريفه؛ وعِلّة ذلك أن الدراسات التي تناولته بالتحديد والتعريف لم تُجمع على مفهوم بعينه، بل انطلقت تلتمس له تعريفات متغيرة تبعًا لتغير زوايا نظر أصحابها، واختلاف حقول تخصصاتهم ومناهجهم، وربما تشابهت بعض التعريفات لتشابه أصحابها فيما يصدرون عنه من مناهج ورؤى، والحاصل"أنه لم تتبلور نظرية نقدية شاملة لمفهوم الإيقاع الشعري" [6] ، وهذا ما حدا ببعض الباحثين إلى الاعتراف بأن الإيقاع لا يزال عصيًّا على الوضوح [7] .
حاول بعض الباحثين تقريب مفهوم الإيقاع إلى الأذهان فقال:"عندما نقف على شاطئ البحر نراقب الأمواج تتكسّر على الرَّمْل لتعود من جديد، ثمة تشابه أساس في حركة كل موجة، لكن ليس من موجتين تتكسران في شكل متناظر تمامًا. هذا التشابه في اختلاف حركة الأمواج قد ندعوه بالإيقاع" [8] ، فالإيقاع عنده هو تشابه عام في نظام معين يتخلله اختلاف جزئي في جزئيات
(1) كتاب العين: 2/ 176.
(2) كتاب العين: 2/ 176، ولسان العرب: 6/ 4894، وتاج العروس: 5/ 547.
(3) كتاب العين: 2/ 177، ولسان العرب: 6/ 4896، وتاج العروس: 5/ 550.
(4) لسان العرب: 6/ 4897، وتاج العروس: 5/ 549.
(5) تاج العروس: 5/ 549.
(6) بنية الإيقاع في الشعر العربي ـ قراءة تحليلية للقصيدة العربية في القرنين السابع والثامن الهجريين: 11.
(7) الشعر العربي الحديث بنياته وإبدالاتها: 1/ 175، وقد نسب المؤلف هذا الاعتراف إلى (هنري ميشونيك) أحد أهم منظري الإيقاع. وينظر: ما لا تؤديه الصفة ـ بحث في الإيقاع والإيقاع الداخلي: 60.
(8) الوزن والقافية والشعر الحر: 11.